إيجاز تحليلي

بعد 25 عامًا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر: كيف تَطوّرت مخاطر التهديدات الإرهابية

الوقت المقدر لقراءة التقرير 10 دقيقة
11.09.2026

بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، تَغيّرت إلى حد بعيد طبيعة التهديد الذي أعاد تشكيل المنظومة الدولية لمكافحة الإرهاب. فقد صُمِّمت تلك المنظومة في المقام الأول لمواجهة تنظيمٍ مركزيٍ عابرٍ للحدود، يمتلك أيديولوجية مُتماسكة، وملاذات جغرافية، وطموحًا لضرب واستهداف «العدو البعيد». وقد ردَّت الحكومات على ذلك بتصنيف وإدراج التنظيمات المُتطرّفة على قوائم الإرهاب، وتفكيك شبكاتها، وحرمانها من الملاذات الآمنة، ومواجهة سردياتها المُتطرّفة. ورغم أن هذه الأدوات لا تزال ضرورية، إلا أن النموذج الذي استندت إليه لم يَعُد يُعبّر عن الجانب الأكبر من طبيعة التهديد الحالي.

وتُوضّح الإحصاءات الرئيسية لعام 2025 هذه الإشكالية؛ إذ تُشير بيانات «معهد الاقتصاد والسلام» إلى انخفاض أعداد القتلى بنسبة 28% (من 7,714 إلى 5,582 قتيلًا) ضِمن 2,944 هجومًا. وقد شهدت 81 دولة تحسنًا في مؤشراتها الأمنية، بينما تراجعت مؤشرات 19 دولة أخرى بعد تدهور أوضاعها الأمنية. ومع ذلك، سجّلت 11 دولة انخفاضًا فاق إجمالي التراجع العالمي الصافي، في حين ارتفعت حصيلة القتلى في مناطق أخرى.

وقد استحوذت الدول المتأثرة بالنزاعات على 98% من إجمالي ضحايا العنف الإرهابي، ويُعزى الانخفاض العالمي الكلي حصرًا إلى تراجع العمليات في مناطق الحروب وبؤر الصراعات المحدودة. ويَعكِس هذا التراجع مجموعة من التطورات الإقليمية شديدة التباين، وليس انحسارًا منتظمًا لظاهرة الإرهاب.

وهذا التباين يحمل دلالات حاسمة لصُنّاع السياسات؛ فانخفاض الحصيلة الإجمالية عالميًا قد يدفع نحو استنتاجات عامة بنجاح جهود مكافحة الإرهاب، حتى وإن كان هذا الانخفاض يتركز في بؤر صراع معدودة وترافقه أوضاع متدهورة في ساحات أخرى. وتكشف الأنماط الوطنية والإقليمية لمكافحة الإرهاب عمّا إذا كانت الجماعات المسلحة تفقد قوتها، أم أنها تُعيد توجيه بوصلة عنفها، أم تنتقل إلى أنشطة يصعب رصدها عبر المؤشرات التقليدية للإرهاب. كما تُحدد هذه الأنماط المناطق التي لا تزال الموارد مطلوبة فيها لتعزيز جهود مكافحة الإرهاب.

منطقة الساحل: انحسارٌ في وتيرة الهجمات وتصعيدٌ ممنهج للضغط على مُؤسّسات الدول

استحوذت منطقة الساحل على أكثر من نصف إجمالي قتلى العمليات الإرهابية خلال عام 2025، مقارنة بأقل من 1% في عام 2007. وسجّلت بوركينا فاسو أكبر انخفاض وطني على مستوى العالم بواقع 686 قتيلًا، بنسبة تراجع بلغت 45% في الخسائر البشرية. غير أن التغيّر في طبيعة الأهداف يحمل دلالات أعمق من مجرد انخفاض الحصيلة الإجمالية؛ إذ تراجع عدد الضحايا المدنيين بنسبة 84% (من 996 إلى 157 قتيلًا)، بينما ارتفعت حصيلة القتلى في صفوف قوات الشرطة والجيش من 419 إلى 643 عنصرًا. كما ارتفع متوسط عدد القتلى في الهجوم الواحد من 10.5 إلى 18.9؛ ما يعني أن الهجمات أصبحت أقل وتيرة، لكنها أشد فتكًا وأكثر تركيزًا على استهداف مُؤسّسات الدولة.

وغالبًا ما يترافق هذا النمط مع مساعي السيطرة الجغرافية؛ فقد تُقلّص التنظيمات الإرهابية هجماتها ضد المدنيين بحثًا عن حاضنة وسعيًا لكسب القبول المحلي، في حين تُكثّف ضرباتها ضد القوات الأمنية وتلجأ إلى الحصار الاقتصادي للضغط على المدن. وفي هذا السياق، تسبَّبت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم القاعدة في مقتل 1,274 شخصًا خلال 147 هجومًا في عام 2025؛ وكان 70% من القتلى من أفراد الجيش أو الشرطة. ويُظهر حصار الجماعة لإمدادات الوقود المتجهة إلى باماكو، وتمدّدها نحو منطقة كايس المنتجة للذهب، ملامح حملة لا تقتصر على إيقاع الخسائر البشرية، بل تستهدف السيطرة على الأراضي، وتقييد قدرات الدولة، والتحكم في الشرايين الاقتصادية.

الجهات الفاعلة الهجينة وقدراتها العابرة للحدود والجبهات

تُقدّم «جماعة الحوثي» المُتطرّفة نموذجًا يُفسّر قصور التصنيفات التنظيمية التقليدية عن استيعاب المتغيرات الراهنة؛ فقد تَطوَّرت الحركة من مجرد وكيل لإيران إلى فاعل إقليمي يتمتع بهامش استقلالية أوسع. فقد تمكّنت الحركة من تجميع  طائرات هجومية مُسيّرة ذات اتجاه واحد داخل اليمن باستخدام مكونات مستوردة من الخارج، وتُدير عمليات مشتريات عسكرية عبر جيبوتي، كما أسّست شبكة تهريب مركزية. وتَحكُم الجماعة منطقة يقطنها نحو 20 مليون نسمة، وتحتفظ بنحو 25 ألف عنصر من القوات النظامية. ولا تزال طهران تُمثّل مَوردًا أساسيًا لتزويد الحركة بالصواريخ والمُسيّرات المتطورة، بينما تُرجّح بعض التقارير وجود اعتماد حوثي أوسع على إيران للحصول على التمويل والدعم العملياتي.

وتُقيم الحركة علاقات براغماتية نفعية متبادلة مع «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» متجاوزةً الخلافات الأيديولوجية والطائفية بينهما. كما تحوّلت إلى مُصدِّر للخبرات؛ إذ دَرّب مهندسون حوثيون عناصر من «حركة الشباب» الصومالية على تصنيع العبوات الناسفة وتعديل الطائرات المُسيّرة، في حين أدّى تدفق الأسلحة من اليمن إلى تعزيز القدرات العملياتية للحركة الصومالية بشكل ملموس. وتعمل «حركة الشباب» ذاتها بصفتها حركة تمرد، وتنظيمًا إرهابيًا، وكيانًا موازيًا للدولة في آنٍ واحد. ولا يمكن فهم الطبيعة المُعقّدة لهؤلاء الفاعلين عبر أطر التصنيف الكلاسيكية الصارمة؛ إذ تنبع مصادر قوتهم من سيطرتهم الميدانية، وقدراتهم اللوجستية، وهياكلهم الإدارية الإقليمية، فضلًا عن شبكات التحالف التي تربطهم بجماعات مسلحة أخرى.

وقد أصبحت القدرات العملياتية تنتقل اليوم بسلاسة بين ساحات الصراع المختلفة دون اشتراط وجود روابطٍ تنظيميةٍ أو أيديولوجيةٍ مُشتركة. وقد يسلك توظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي مسارًا مشابهًا، رغم أن الأدلة الاستخباراتية على ذلك لا تزال متفاوتة؛ إذ تُشير المعطيات إلى أن توظيف الذئاب المنفردة والخلايا الصغيرة لهذه التكنولوجيا يتزايد تدريجيًا، مع بقاء التنفيذ الميداني المادي العائق الأكبر. وفي المقابل، تَرسم مقابلاتٌ أُجريت مع عناصر سابقة في حركة «بوكو حرام» صورة مختلفة؛ إذ تكشف عن وجود وحدات مُتخصّصة في الذكاء الاصطناعي، وميزانيات تمويل مُخصّصة لهذه الوحدات، وضوابط وصلاحيات وصول محدودة تعتمد على التسلسل الهرمي للعناصر داخل «ولاية غرب إفريقيا» التابعة لتنظيم «داعش» و«جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد»، وهي الفصيل التأسيسي لـ«بوكو حرام». وقد يكون كلا التقييمين دقيقًا؛ فامتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي لا يُنتج تلقائيًا قدرة عملياتية فتاكة، بل إن الهيكل التنظيمي، وحجم الموارد، والملاذ الآمن من الاستهداف المُسبق، هي العوامل التي تُحدد قدرة التنظيمات على توظيفها بشكل منهجي. ومن ثم، فإن الاستخدام الأشد خطورة لهذه التكنولوجيا قد يحدث في البؤر التي تتآكل فيها سلطة الدولة، وليس بالضرورة في الدول التي تتوفر فيها هذه التقنيات على نطاق تجاري أوسع.

الدول الغربية: دوافع ضبابية وهجماتٌ أشد فتكًا

سارت الدول الغربية عكس الاتجاه العالمي خلال عام 2025؛ إذ قَفَزت حصيلة قتلى العمليات الإرهابية بنسبة 280% لتصل إلى 57 قتيلًا، وهي المرة الأولى التي تتجاوز فيها الحصيلة حاجز الخمسين قتيلًا منذ عام 2019. وقد سجّلت الولايات المتحدة وحدها 28 قتيلًا، في أعلى حصيلة لها منذ 2019، بينما شَهِدت أستراليا الهجوم الإرهابي الأكثر دموية في تاريخها المُسجّل.

ولعل التحدي الأبرز يكمن في التعقيد المتزايد الذي يكتنف عملية تحديد الجهات المُنفّذة أو المسؤولة عن الهجمات؛ إذ تعذّر ربط 40% من الهجمات في الدول الغربية بأي جماعة أو أيديولوجية واضحة، ولم تُنسب سوى نسبة تقل عن 20% منها إلى تنظيمات مُحدّدة. وعلى النقيض من ذلك، واستنادًا للمؤشرات العالمية، استحوذ الفاعلون الإرهابيون المعروفون على 78% من إجمالي الهجمات و89% من أعداد القتلى عالميًا. وفي المملكة المتحدة، تصدّرت الإحالات ذات الدوافع «المختلطة أو غير المستقرة أو الغامضة» قائمة الحالات المشمولة في البرنامج الوقائي «بريفينت» (Prevent) بنسبة 34%، متجاوزةً حالات حركات اليمين المُتطرّف (21%) وحالات التطرّف الإسلاموي (10%). جدير بالذكر أنّ برنامج «بريفينت» يُمثّل أحد الدعائم الأربع لاستراتيجية مكافحة الإرهاب البريطانية «كونتست»، ويهدف إلى رصد الأفراد المُعرّضين لخطر التطرّف واحتوائهم مبكرًا وتقديم الدعم لهم قبل انخراطهم في الإرهاب. وتُعبّر هذه الفئة المُتصدّرة عن حالاتٍ لأفراد لا تُحرّكهم أيديولوجية متماسكة؛ إذ تُحركها غالبًا أزمات نفسية شخصية أو مظالم متناقضة ومائعة لا ترتبط بقضية سياسية أو دينية واضحة.

وقد نفّذت فئة الذئاب المُنفردة نحو 93% من الهجمات التي أسفرت عن سقوط قتلى في الغرب خلال السنوات الخمس الماضية، وكان احتمال نجاحهم في إتمام الهجوم أعلى بثلاثة أضعاف مقارنة بالمخططات المُعقّدة التي تُنفذها مجموعات تنظيمية. ومع ذلك، فإن ضبابية الدوافع الفردية لا تعني أن الأيديولوجية قد فقدت قدرتها الفتاكة؛ ففي حين لم تتجاوز نسبة الهجمات ذات الدوافع الدينية حاجز الـ 10% بقليل من إجمالي الهجمات في الغرب خلال العقدين الماضيين، إلا أنها تسبّبت في مقتل 527 شخصًا من أصل 990، أي ما يعادل 53% من إجمالي الخسائر البشرية. 

التقييم الاستراتيجي

تظل هذه المسارات الأمنية المتباينة مترابطة في صميمها؛ فالسيطرة الجغرافية تمنح الجماعات المسلحة مساحة لتقييد حركة الخصوم، وهندسة الحياة الاقتصادية للمجتمعات، وضمان استدامة شبكات الإمداد، وتطوير هياكل إدارية موازية. وهذا العُمق التنظيمي المُكتسب يُتيح لها استيعاب التقنيات الحديثة ونقل الخبرات الميدانية عبر الحدود الإقليمية. وقد باتت الجهات الفاعلة الهجينة تمتلك مرونة تكتيكية تمكنها من المزاوجة بين التمرد الميداني والعمليات الإرهابية وفرض سلطة الأمر الواقع، في حين تتسارع وتيرة الهجمات التي تُنفذها الذئاب المنفردة في الغرب بمعزلٍ عن أي ارتباط تنظيمي مباشر. وفي كلا السياقين، أضحت الخطوط الفاصلة التي كانت تُؤطّر التقييمات الأمنية الكلاسيكية أقل موثوقية وفاعلية.

ولا تزال سياسات مكافحة الإرهاب حبيسة فرضيات استراتيجية صُمِّمت في الماضي لمجابهة تنظيمات هرمية مستقلة تُصدّر عنفها انطلاقًا من ملاذاتها الآمنة في مناطق نائية. غير أن خطر التهديدات وأطيافه بات اليوم يشمل حركاتٍ مُسلّحة تُرسّخ نفوذها الجيوسياسي، وكياناتٍ ميليشياوية تحاكي وظائف الدولة، وقدرات عملياتية عابرة تتنقل بين ساحات النزاع المختلفة، ومهاجمين منفردين تستعصي دوافعهم المتشابكة على قوالب التصنيف المُبسّطة. وعليه، بات لزامًا على التقييمات الأمنية والاستخباراتية أن تتجاوز الرصد الكمي السطحي لعدد الهجمات وحصيلة القتلى، لتغوص في تحليل أعماق طبيعة الأهداف، وساحاتها الجغرافية الممتدة، وأدوات الإكراه الاقتصادي، ومدى النفوذ الإداري، والقدرات التقنية المستحدثة.

وخلاصة القول أنّ الانخفاض المسجّل في أعداد القتلى خلال عام 2025 قد يُمثّل تقدُّمًا حقيقيًا في بعض بؤر الصراع؛ غير أنه في ساحات أخرى قد يُنذر بأن الحركات المسلحة قد أعادت هيكلة بنك أهدافها وطوّرت أدوات ممارستها للسلطة وبسط نفوذها. واليوم، بعد انقضاء ربع قرنٍ على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، 

لم يَعُد التحدي الأمني الأخطر مُقتصرًا على مجرد تزايد وتيرة الهجمات الإرهابية أو تراجعها؛ بل يكمن التحدي الحقيقي في مدى الفطنة الاستراتيجية والقدرة الاستباقية على إدراك اللحظة الفارقة التي يتخذ فيها التهديد الإرهابي شكلًا جديدًا.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابقوا على اطّلاع دائم بآخر الأبحاث والمنشورات

    هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA و تنطبق سياسة الخصوصية و شروط الخدمة من Google.