إيجاز تحليلي

كيف ينجح الإسلامويون في الحصول على السلاح ولماذا يفشلون في إدارة شؤون الحكم

الوقت المقدر لقراءة التقرير 10 دقيقة
02.06.2025

هل تعلم ما القاسم المشترك بين الأسلحة التي ضُبطت في الأردن خلال عام 2024 وتلك التي استُخدمت في اغتيال رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي باشا سنة 1948، وما العلاقة بين اغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981، وتمكين الانقلاب الذي قادته الحركة الإسلاموية في السودان عام 1989؟ يستعرض هذا المقال كيف استخدمت الحركات الإسلاموية السلاح عبر تاريخها في مصر والسودان والأردن، لا لتحرير الأوطان حسب زعمهم، بل لإخضاع تلك الدول لحكمهم.

نشأت الحركات الإسلاموية في بدايتها استجابةً لدعوة حسن البنا التي أطلقها عام 1928؛ سعيًا لاستغلال الظرف التاريخي المُتمثّل في إلغاء الخلافة العثمانية رسميًا، والذي لم يكن مجرد أفول سياسي لمنظومة الخلافة، وإنّما تفكيكًا قانونيًا شاملًا لكافة مؤسّساتها على يد الجمهورية التركية الحديثة. وقد أضفت هذه الحركات قدسية دينية على مفهوم الدولة التي يحكُمها التنظيم، مما أرغم منتقديها على التريُّث أو التراجع عن الطعن فيها أو الاعتراض على مشروعها. كما استندت هذه الحركات إلى قضايا شعبوية لتبرير حيازتها للسلاح لمواجهة القوى الاستعمارية والمحتلّين الأجانب، واستعمالها لاحقًا في الصراعات الداخلية والنزاعات الوطنية بصورة متزايدة مع مرور الوقت. ومن أجل تحقيق ذلك، بلّورت تلك الحركات أُطرًا أيديولوجية شاملة ومنظومات فكرية مُتكاملة، كثيرًا ما شابها التناقض، وظّفت فيها قضايا الدين والجغرافيا الإقليمية والتوتّرات العرقية والتحالفات الخارجية للإجابة عن ثلاثة أسئلة استراتيجية هي: كيف نحصل على السلاح؟ وكيف نجنّد المقاتلين؟  وفي وجه من نُصوّب ذلك السلاح؟

وقد خلّف سقوط الخلافة العثمانية فراغًا سياسيًا سارعت الحركات الإسلاموية لملئه، ليس بالتركيز على الإصلاح الديني أو الانشغال بالتهذيب والعبادة، بل بالاستعداد المحموم والإعداد المُمنهج للاستيلاء على السلطة. فخلال حقبة الملكية في مصر، شرع أتباع «حسن البنا» في تخزين الأسلحة تحت شعار «التحرُّر الوطني». ولكن بحلول منتصف القرن العشرين، صُوِّبت تلك الترسانة العسكرية إلى الداخل المصري. ففي أعقاب سلسلة التفجيرات التي وقعت في أعياد الميلاد آنذاك، أعلن وزير الداخلية المصري حينها أن أسلحة الإخوان لم تكن مُوجّهة ضد القوى الاستعمارية، وإنما ضد المصريين أنفسهم – سواء أكانوا خصومًا سياسيين، أم موظفين حكوميين، أم مُعارضين مُتشكّكين في المشروع الإسلاموي.

وحين أطاح تنظيم «الضباط الأحرار»  بالنظام الملكي في مصر عام 1952، سارع الإخوان المسلمون إلى ادّعاء الفضل في تمكين الثورة، زاعمين أن شبكاتهم وأسلحتهم هي التي مهّدت الطريق لنجاحها، وطالبوا على إثر ذلك بنصيبهم في السُلطة. وقد تسامح الرئيس جمال عبدالناصر مع طموحاتهم في البداية، إلى أن انكشف تفاوضهم سرًّا مع جهات أجنبية باسم الدولة المصرية، وعرضهم تقديم تنازلات استراتيجية مقابل تسليمهم مقاليد الحكم.

وقد تكرر الأسلوب نفسه في السودان بعد عقود. ففي عام 1989، أصدرت القيادة الداخلية للحركة الإسلاموية السودانية قرارًا رسميًا بتدبير انقلاب عسكري، نفّذته طليعة مدنية إسلاموية عبر التعاون مع ضباطٍ في الجيش. وبعد سنوات، تفاخر بعض قيادات الحركة علنًا بأنهم شاركوا في الانقلاب «بالقول والفعل». غير أنّ هذه الاعترافات كشفت حقيقةً أشدّ خطورة وأكثر إثارةً للقلق؛ إذ استغلّت الحركة الإسلاموية فترة الديمقراطية القصيرة التي شهدها السودان في الثمانينيات لزرع أتباعها ومناصريها داخل مفاصل الدولة ومؤسّساتها بشكل خفيّ، وإنشاء كياناتٍ موازية، وتخزين السلاح، ليس دفاعًا عن الجمهورية أو لحمايتها، وإنما لتقويضها وهدمها من الداخل، في الوقت ذاته الذي كانت فيه الحركة تشغل مقاعد برلمانية داخل مجلس النواب السوداني.

وتشير التحقيقات الأخيرة إلى أن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن كانت قد درست خُططًا للتنسيق مع الفصائل التي نفّذت هجمات السابع من أكتوبر، ليس بهدف المُشاركة المباشرة في الحرب، بل لإنشاء جبهة دعم ومُساندة داخل الأردن، تحت توجيه أجنبي حسب بعض الادعاءات. كما تضمّنت هذه الخُطط، حسب ادّعاءات بعض المُطّلعين، استعداداتٍ لتجهيز ترسانة أسلحة مُتطوّرة تشمل الصواريخ والطائرات المُسيّرة، بهدف تقديم الدعم إلى حركتي «حماس» و«حزب الله». غير أن شعار «المقاومة» الذي رفعته الجماعة كعادتها، كان يُخفي استراتيجيةً أعمق وأبعد مدًى؛ فالأولوية التاريخية لدى جماعة الإخوان تتمثّل أولًا في إحكام سيطرتها الداخلية على الدولة المضيفة، ثم تحويلها إلى قاعدة لإطلاق عملياتٍ إسلاموية عابرة للحدود.

وقد أدّى انسداد المسارات الانتخابية أمام الجماعة للوصول إلى السلطة – وسط تغيُّر الرأي العام وتبدّل التوجّهات الشعبية – إلى إعادة إحياء معادلة معروفة ومألوفة لدى الإسلامويين؛ تتمثّل في وجود طليعةٍ أيديولوجية مُنضبطة، مدعومة بآلة إعلامية فعّالة، تتولّى تنفيذ مناورةٍ خاطفة للإطاحة بالسلطة القائمة. وقد سبق تنفيذ هذا السيناريو من قبل، كما في اغتيال الرئيس المصري أنور السادات عام 1981، وكذلك في المحاولات الفاشلة لاغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، والمؤامرة الفاشلة لاغتيال الرئيس حسني مبارك عام 1995. وفي كل تلك الحوادث، لم يلجأ الإخوان إلى العنف عبر مواجهةٍ مباشرة أو في سياق حرب مكشوفة، بل عبر خيانةٍ مُتعمّدة لمرحلة من التهدئة التكتيكية، ومناورة تختبئ خلف ستار المشاركة السياسية الظاهرية.

وخلال العقدين اللذين سبقا اندلاع الانتفاضات العربية في عام 2010، مرّت الحركات السياسية الإسلاموية في العالم العربي بما يمكن وصفه بـ«حقبة المساومة الوظيفية». فقد ركّزت الأحزاب الإسلاموية على تقديم نفسها كحركاتٍ تمتلك الشرعية الشعبية، وتحظى بالأغلبية السياسية، وتنادي بالإصلاح التشريعي والتنوير الفكري والتطبيق التدريجي للشريعة الإسلامية. وفي هذا السياق، قُوبل مقتل أسامة بن لادن في عام 2010 بترحيب واسع بوصفه مُنعطفًا يبرهن على تراجع النموذج الإسلاموي العنيف لصالح نموذج إخواني «معتدل» وأكثر قبولًا، تجسّد في تلك التيارات التي كانت على وشك تولي مقاليد السلطة في عدة دولٍ عربية.

وبدا أن طريق الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع مفتوح أمام الجميع، الحمائم المعتدلين منهم والصقور المتشدّدين على حدٍ سواء. لكن سرعان ما ظهر «الذئب»؛ فقد أسَر صعود تنظيم «داعش» وتوسّعه وتمدّده الخاطف، جيلًا من شباب الإسلامويين أكثر تشدُّدًا وراديكالية من كوادرهم. وسرعان ما تقهقر البديل الإخواني «المُعتدل» إلى المرتبة الثانية في هرم التطرّف الأيديولوجي. وبعد أن فقدت جماعة الإخوان السلطة في القاهرة، سارعت إلى محاولة استعادة الشرعية عبر خطاب «المقاومة المسلحة»، في مسعى لإعادة فرض سيطرتها على الساحة ذاتها التي كانت قد تنصّلت منها ونبذتها سابقًا.

وإذا كانت حقبة الحرب الباردة قد أفرزت ظاهرة «العرب الأفغان» ومعسكرات تدريبهم المُخصّصة، فقد يرى محللو استشراف المستقبل أن اللحظة الجيوسياسية الراهنة، التي يطبعها التنافس الأمريكي-الصيني وانحسار الحضور الأمريكي، تمثّل حاضنة لنهضة إسلاموية جديدة. فمع تحول تركيز واشنطن نحو المنافسة الاستراتيجية في شرق آسيا، خلّفت أمريكا فراغات في مناطق كانت تمسك فيها بزمام المبادرة؛ فاستغلتها الحركات الإسلاموية المُسلّحة للعودة بهدوء وثبات وحزم.

ولم تقتصر هذه الجماعات المُتطرّفة على توسيع رقعة انتشارها في غياب أمريكا، بل سعت إلى صياغة سردية شرعيتها الخاصة. والعنصر الجامع في هذه الحالات أن الفراغ ليس عملياتيًّا فحسب، بل رمزي أيضًا. فبالنسبة لعناصر التجنيد والتنظير الأيديولوجي في تلك الجماعات، يُعدُّ انسحاب قوة عظمى برهانًا على صحة مُعتقداتهم ودعوةً ونداءً لحمل السلاح. وفي خضم مرحلة الانسحاب الضبابية، لم تهدر الأطراف المُتطرّفة الفاعلة وقتًا في فتح قنوات تجنيد وتعبئة جديدة؛ إذ فسّرت اللحظة الراهنة باعتبارها دليل على تحوّل ميزان القوى العالمي لصالحهم.

ومن بين أخطر الأوهام السائدة في المرحلة الجيوسياسية الراهنة؛ الاعتقاد بأن العالم يشهد تحوّلًا مُشابهًا لما حدث في عام 1814، عندما اجتمعت القوى العظمى في فيينا لتقاسم النفوذ بينها وليس لإرساء العدالة. وقد عاد هذا المنطق والتوجُّه للظهور في بعض الدوائر الاستراتيجية، سواء تم تبنيه بوعي أم بغير وعي، بفكرة أن الوقت قد حان لإعادة تفاوض القوى الكبرى على مناطق النفوذ من خلال تفاهمات هشة تأتي على حساب الدول والمجتمعات الأضعف. وفي هذا السياق يغدو توظيف الجماعات الإسلاموية المُسلّحة أكثر جاذبية، ليس باعتبارها خصومًا في حرب شاملة على الإرهاب، بل كوكلاء غير رسميين في صراعاتٍ لا ترغب الدول في خوضها مباشرة. 

وفق هذا المنطق، تصبح الحركات الإسلاموية أدوات وظيفية لإبراز القوة والنفوذ. إذ تُستخدم لتغيير الواقع على أرض الميدان، أو لزعزعة استقرار الخصوم وإرباكهم، أو لاستعراض القوة – كل ذلك مع توفير غطاء من الإنكار المعقول لرعاتها. ومع تآكل الأطر المعيارية وتلاشي الوضوح الأخلاقي للقانون الدولي، تصبح الفوضى نفسها رصيدًا استراتيجيًا يُستثمر. وهكذا يُعاد تأطير العنف الإسلاموي، الذي كان مُدانًا بالإجماع فيما مضى، بوصفه أداة نافعة تُفعّل وتُنشر عن بُعد بواسطة قوى كُبرى أو جهات فاعلة قوية لا ترغب في إراقة دمائها على تراب أرض غريبة. وفي هذا النظام ما بعد الليبرالي، لم تعد الحركات الإسلاموية المُسلّحة مجرد فكرة أيديولوجية، بل أصبحت بشكل متزايد مفهومًا لتفويض السُلُطات، وتحقيق منفعة مُتبادلة، واستنزاف لمناطق وأقاليم تدفع ثمن الاستخفاف العالمي.

في الوقت الحالي، يغرق السودان في حرب وحشية ضارية تتّسم باستقطاب شامل، وإن كانت جذورها واضحة. إلا أن قلة هم المُستعدون لإعادة النظر في بؤر التوتر الأولى في تسعينيات القرن الماضي، حين تفاقم الانشقاق الإقليمي داخل الحزب الإسلاموي الحاكم. ومن ذلك الانشقاق خرج «خليل إبراهيم» ومعه الدائرة التي ألّفت لاحقًا «الكتاب الأسود». في ذلك الوقت، شنّ «حسن الترابي» نقدًا لاذعًا للنخبة الإسلاموية، زاعمًا أن الفساد فيها قد بلغت نسبته 90 %. ولكن قبل أن تتمكن تحذيراته من أن تجد آذانًا صاغية، أقصته تلك النخبة ذاتها تمامًا عن السلطة، بدعم من الرئيس عمر البشير، مُستخدمةً كامل ثقل القوات المسلحة السودانية. أما «الترابي» فقد رد بسخرية واستهزاء من تكوين الجيش وضباطه وأخلاقياته المؤسسية. ولم تكن هذه الانتقادات همسات تُتداول في الخفاء؛ بل قُدمت في خطب مطوّلة ملؤها الازدراء بثّها التلفزيون السوداني الرسمي كجزء من ذخيرته الدعائية. وظلت كلماته تتردد كإدانة للمؤسسة العسكرية، وللتشكيلات التي بناها الإسلامويون بأنفسهم، والتي باتت تهدد بالتهامهم من الداخل.

وبدلًا من أن يدفع ذلك أنصار الحركة الإسلاموية نحو مزيد من النضج السياسي، كان للانقسام الداخلي للحركة تأثير معاكس. فقد أدّت خيبة الأمل الأيديولوجية – التي تفاقمت بسبب اتهامات الفساد وتصاعد سرديات التهميش – إلى تقهقُر الكوادر وعودتهم لتشكيلات ما قبل الدولة، مما أضعف التزامهم بالدولة القومية كنموذج تنظيمي. ومن ذلك التقهقُر، تفاقمت موجة من المظالم الإقليمية والرغبة في الانتقام، ولم يتصدَّ أحد لوقف التشدُّد والخلافات الهوياتية؛ بل على العكس، أسهموا في تعميقها.

خلال تلك السنوات، تردّدت في معسكرات الإسلامويين قصص عن انقلابات ومناورات فاشلة أُحبطت، قيل إن الأجهزة الأمنية قمعتها. وادّعى بعض المطلعين أن المحكمة الدستورية ساعدت في امتصاص غضب الإصلاحيين. لكن التاريخ يروي قصة مختلفة: فقد برز المنشقّون من دارفور باعتبارهم قوة حاسمة في التمرُّد المُسلّح ضد نظام «البشير». ومن المفارقات أن الأُطر القانونية والدستورية ساعدت في دفع قضيتهم إلى أروقة المحكمة الجنائية الدولية. وقد تبنت إحدى فصائل الحركة الإسلاموية هذه الأُطر، بينما استنكرها الفصيل الآخر واعتبرها هرطقة.

من جانبه، ردَّ «البشير» باستغلال الإثنيات العِرقية كسلاح. ففي مواجهة التمرُّد الذي اندلع في دارفور، جنّد «البشير» ميليشيات أطلق عليها الجناح الإسلاموي المُنشق بازدراء تسمية «العرب»، ولا يُقصد من ذلك العرب كعِرقية، وإنما قَصَدوا البدو سُكّان الصحراء المُهمَّشين، الذين يُنظر إليهم باعتبارهم غرباء عن الدولة وخارجين عن النظام الاجتماعي المستقر.

في تلك الفترة، كان الإسلاميون في السودان منشغلين ببناء أجهزة السلطة، وفي الوقت نفسه كانوا يقفون ضد مفهوم الدولة ذاته. لقد حافظوا على حقٍ راسخ ومُحصّن في امتلاك السلاح، وأدرجوه ضمن منظومة من المؤسسات الموازية التي تحاكي الهياكل الرسمية ولكنها تعمل بصورة مستقلة، وبتنسيقٍ وكفاءةٍ ملحوظين. فمقابل كلّ جهازٍ أمني رسمي، كان هناك جهاز موازٍ «شعبي» أو «للدفاع الذاتي». وعوضًا عن الجيش الوطني الموحَّد، ظهرت« قوات الدفاع الشعبي» و«قوات الدعم السريع» وعدد من الميليشيات الحليفة. وقد استطاعت هذه الكيانات الصمود رغم الانقسامات الداخلية، بل وبقيت حتى بعد انهيار النظام ذاته، وواصلت عملها علنًا أمام أعين لجان التفكيك الانتقالية، بل والمدهش أنها مستمرة في الوجود حتى اليوم. وفي هذا السياق، أشار مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة الحالي، في هجومٍ لاذع على الإسلامويين قائلًا: «إلى يومنا هذا، في كل مُؤسّسة من مُؤسّسات السلطة هناك مُؤسّسة موازية، مُصطنعة ومُساعدة، ولا تمتلك شرعية دستورية». لقد باتت هذه الكيانات المزدوجة متجذرةً إلى درجة يصعب معها في كثير من الأحيان التمييز بين المُؤسّسة الأصلية وظلِّها. أما فيما يتعلق بالشرعية القانونية، فلم يكن التقنين أبدًا هدفًا لهذه التنظيمات؛ بل إنَّ غموضها كان مقصودًا، لأنه منحها حريةً أكبر في الحركة والمناورة.

وحين أُطيح بالبشير، لم يرَ الإسلامويون في سقوطه هزيمةً لهم، بل اعتبروها فرصة سانحة لوقف مشروعه الرامي إلى تهميشهم. لذا لم يقاوموا الإطاحة به، لاعتقادهم أنَّ منظومتهم الموازية، مصحوبةً بعجز قوى المعارضة وفشلها في الحكم، ستتيح لهم العودة بسلاسة ويسر.

وبالفعل، استشعارًا منهم لهذه الفرصة في خضم جهود التعبئة الجارية في السودان، تحرَّك الإسلامويون لإعادة تموضعهم وتأكيد حضورهم مجددًا، ولكن وفق شروطهم الخاصة. أصرُّوا – على ما يبدو – أن تكون مشاركتهم خارج الإطار القانوني الرسمي لقوانين الطوارئ الوطنية، وأن يتم ذلك تحت راية كتائبهم الخاصّة. وفي وسط فوضى ميدانية تعج بالميليشيات، أعادوا إحياء أدبياتهم المتطرّفة، وأجّجوا من جديد الحماس الأيديولوجي، وشرعوا في إعداد جيلٍ جديد لتولي الحكم مستقبلًا. مع ذلك، لم يكن ظهورهم من جديد فوريًا أو عفويًا، بل كان مدروسًا بعناية شديدة.

لا يحكم الإسلامويون السودان حاليًا، وربما يتجاوز المستقبل ماضيهم بالكامل، بما في ذلك خطيئتهم الكبرى المتمثّلة في انقلاب عام 1989، الذي أطاح بحكومة ديمقراطية مُنتخبة. ومع ذلك، يظل ظلّهم مُخيمًا على المشهد. فقد هدَّد أحد أبرز مُنظّريهم بالفعل بالانقلاب على الفريق أول عبدالفتاح البرهان، وربما حتى بالعنف، تمامًا كما سبق لهم أن فعلوا مع الرئيس المصري أنور السادات. لقد وضعوا بالفعل استراتيجية الحرب المناسبة التي قد تمهّد طريقهم للسلطة عبر القوة العسكرية. لكنَّ ما لم يقدّموه بعد هو مراجعةٌ حقيقية وجادة للأخطاء التأسيسية التي أغرقت مشروعهم مرّتين من قبل. ولعل أبرز هذه الأخطاء معضلةٌ صاغوها يومًا ببلاغةٍ لافتة باللغة العربية: الصراع بين «الحركة» و«الحزب» و«الحكومة»؛ ثلاث مُؤسّسات تبدأ جميعها بحرف الحاء، ولم يقبل أيٌّ منها الانقياد للأخرى.

هذا التوتّر الذي لم يُحسَم قط، حول مَن يتبع مَن، طالما أرق المشروع الإسلاموي في السودان. فخلال فترة الصراع المُحتدم بين الفصيلين الإسلامويين الرئيسيين؛ «المؤتمر الشعبي» بقيادة «حسن الترابي»، و«المؤتمر الوطني» بقيادة «البشير»، هيمن سؤالٌ جوهري على الساحة السودانية: هل الدولة أداةٌ للحركة أم أن الحركة خادمةٌ للدولة؟ وهل ينبغي لرئيس الدولة تقديم البيعة (تعهُّد الطاعة والولاء) لأمير الحركة، أم أن الأمير هو من يقدّم البيعة لرئيس الدولة؟

إنَّ عجز الإسلامويين عن تقديم إجابات حاسمة لهذه التساؤلات يفسّر كثيرًا كيف ولماذا شرعت جماعةٌ في الأردن بإنتاج الأسلحة والصواريخ وحتى الطائرات المُسيّرة، تحت راية الانضمام إلى حربٍ أوسع، بالتحالف مع إسلامويين أجانب. كما يسلّط الضوء بوضوح على مأزق الدولة الراهن: هل ينبغي تفكيك المُؤسّسة الأصلية أم ظلها الموازي؟ وكيف يستقيم الظل إذا كان العود أعوج؟

إذا كانت الواقعية السياسية قد أغرت البعض بقبول تمدُّد الحركات الإسلاموية المُسلّحة إلى داخل العواصم الوطنية، فإن الواقعية المنطقية تُحتّم على الجميع إدراك العواقب المُترتّبة على هذا المسار ومواجهتها. ففي أحسن الأحوال، ستتحول هذه التنظيمات إلى نُسخٍ مُكرّرة من نموذج «حزب الله»، بكل ما جرّه هذا النموذج من خرابٍ ودمار على لبنان ونظامه السياسي. لذلك، قبل التفكير بأي مُشاركةٍ مُستقبلية مُحتملة لفصائل إسلاموية مُسلّحة في الحياة السياسية، يجب أولًا توضيح المصطلحات والمفاهيم بصورة حاسمة: ما هو تعريف الدولة؟ وماذا تعني المواطنة؟ وقبل كل شيء، لا بد من وجود إجماعٍ واضح وقاطع لا لبس فيه على أن احتكار استخدام القوة والسلاح لا يكون إلا للجيش الوطني من دون أي استثناء.

عندما تمتلك الحركات الإسلاموية السلاح، تصبح النتائج متوقَّعة ومعروفة سلفًا. فالسلاح سيُوجّه أولًا نحو الداخل؛ ضد الخصوم والمنافسين والمنتقدين، وفي نهاية المطاف ضد الدولة نفسها. عندئذٍ ستُنتَزع السلطة بالقوة وتُحتَكر، ولن يُنتج هذا الاحتكار سوى حلقةٍ مفرغة من المواجهة والصراع الدائم، في ظل غياب إجاباتٍ واضحة عن هذه الأسئلة الجوهرية: من يحكم الدولة فعليًا – هل هي الحركة أم الحكومة؟ وفي ظل الحكم الإسلاموي، تتفتّت الدولة إلى كياناتٍ موازية، وتنقسم الولاءات، ويسود خطاب التكفير والتخوين. ومن يعارض المسيرة نحو مشروع «الخلافة» المزعومة، يُوصم بسهولة بأنه عدو لله.

النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابقوا على اطّلاع دائم بآخر الأبحاث والمنشورات

    هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA و تنطبق سياسة الخصوصية و شروط الخدمة من Google.