

«جماعة الإخوان» في السودان وإيران: تحالفٌ أيديولوجيٌ تحت وطأة الضغوط العملياتية
في 16 مارس 2026، أدرجت الولايات المتحدة رسميًا «جماعة الإخوان المسلمين» في السودان وجناحها المسلّح «لواء البراء بن مالك» ضمن قائمتي «الكيانات الإرهابية العالمية المصنّفة تصنيفًا خاصًا» و«المنظمات الإرهابية الأجنبية»، في سابقة هي الأولى من نوعها التي تُخضع حركة سياسية دينية سودانية لتصنيفٍ مزدوج بموجب القانون الأمريكي. ويترتّب على هذا القرار تجميد أي أصول مرتبطة بالجماعة المُتطرّفة السودانية داخل الولايات المتحدة، وحظر أي تعاملات بينها وبين الأفراد أو الكيانات الأمريكية. كما يواجه الأفراد والبنوك والجمعيات الخيرية والشركات المرتبطة بها خطر العقوبات وتقييد الوصول إلى النظام المالي الدولي. وقد استندت واشنطن في هذا التصنيف إلى وقائع محددة شملت عمليات إعدام جماعية نفّذتها الجماعة، وعمليات قتل على أساس عرقي، وتلقي التدريب والدعم المادي من «الحرس الثوري الإيراني».
ولا تقتصر هذه التدابير على استهداف قادة الجماعة أو عناصرها المُتطرفة، بل تستهدف عمدًا بنيتها التحتية المالية. ويمتدّ نطاق الحظر والتجميد ليشمل الكيانات التي يمتلكها أو يسيطر عليها الجهات المُصنّفة في القرار، فضلًا عن الشبكات العاملة بالنيابة عنهم، مما يفرض ضغوط امتثال شديدة على الوسطاء الماليين عبر ولايات قضائية متعددة. ويعكس هذا نهجًا أمريكيًا مُتشددًا وحازمًا وموقفًا مُوحّدًا يتعامل مع الأجنحة المسلّحة للجماعات الإرهابية والتنظيمات الحاضنة لها بوصفها هدفًا واحدًا متى ما تحوّلت الحركات السياسية إلى جهاتٍ مُتطرّفة فاعلة. وفي سياق الحرب الدائرة في السودان، يهدف هذا التصنيف إلى رفع الكلفة العملياتية على الشبكات المالية للميليشيات وتقييد قدرتها على إعادة ترتيب صفوفها واستعادة نشاطها. فـ«جماعة الإخوان» في السودان لا تقتصر على كونها كيانًا له نشاط اقتصادي، بل تمارس في آنٍ واحد دور التنظيم السياسي والقوة القتالية الميدانية والفاعل الرئيسي في تسهيل عبور الموارد والأنشطة عبر الحدود.
ومع ذلك، لم تكن هذه الخطوة ردّ فعل على تهديد مُفاجئ مُستجدّ، بل جاءت إقرارًا رسميًا بالعلاقة الوطيدة والممتدة التي ربطت الإسلامويين السودانيين بالنظام الإيراني لأكثر من ثلاثين عامًا، بل وتمتد بجذورها إلى ما قبل استقلال السودان نفسه.
السودان وإيران: مسارٌ طويلٌ من التحالف
اتخذت العلاقة السودانية الإيرانية طابعها الرسمي عام 1989، بعد أن وصلت الحركة الإسلاموية السودانية إلى سدّة الحكم عقب الانقلاب العسكري الذي قاده عمر البشير، بتنسيق مع «الجبهة الإسلامية القومية» بقيادة حسن الترابي. وكان هذا الانقلاب واعيًا بمنطلقاته ومرجعيته الأيديولوجية؛ إذ نظر مهندسوه إلى الثورة الإيرانية عام 1979 بوصفها نموذجًا وسابقة تاريخية أثبتت أن مشروعًا سياسيًا إسلامويًا تمكّن من الاستيلاء على حكم دولة والسيطرة عليها. وسرعان ما تُرجم هذا التقارب الأيديولوجي إلى تعاون مؤسسي مباشر؛ ففي تسعينيات القرن العشرين، تولّت إيران تدريب عناصر الأمن السودانيين وأسهمت بفاعلية في تأسيس «هيئة التصنيع الحربي» السودانية. وكان مصنع «اليرموك» العسكري، الذي أُنشئ لتلبية الاحتياجات الدفاعية للسودان، يحظى بملكية جزئية وكوادر ودعم إيراني طوال التسعينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة. ولم يكن هذا الإسناد الخارجي إسهامًا عابرًا في بناء هيئة التصنيع الحربي السوداني، بل كان عنصرًا تأسيسيًا أرسى المشاركة الإيرانية الفنية والمالية في الصميم الهيكلي للقطاع الأمني السوداني.
وقد صمدت هذه العلاقة في وجه ضغوطٍ خارجية مُتتالية. ففي عام 2011، ومع انفصال جنوب السودان، فقدت الخرطوم أكثر من سبعين بالمئة من إنتاجها النفطي ونحو نصف إيراداتها الحكومية بين عشية وضحاها، فدخلت البلاد أزمة اقتصادية حادّة وباتت شديدة الاعتماد على التمويل الخليجي. وقد استثمرت المملكة العربية السعودية هذا الضعف بفاعلية؛ ففي عام 2013 منعت الرياض طائرة «البشير» من الإقلاع، وبعدها بفترة وجيزة بدأ السودان يتلقّى دعمًا خليجيًا جادًا شمل إمدادات الوقود وودائع في البنك المركزي وإعفاءات من الديون ومساعدات اقتصادية متنوّعة. وفي المقابل، كان على الخرطوم أن تنأى بنفسها عن طهران. وبحلول عام 2015، أرسل السودان قواته للقتال إلى جانب التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن ضد الحوثيين، ثم قطع علاقاته رسميًا مع إيران في عام 2016.
غير أن هذه القطيعة لم تدم؛ فمع اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في شهر إبريل من عام 2023، أعاد الجيش إحياء الشراكة القديمة مع طهران بسبب حاجته الماسّة للسلاح.
وفي يوليو 2024، استعاد السودان علاقاته الدبلوماسية مع إيران، مُنهيًا قطيعة استمرت ثماني سنوات. وقد أكّدت بعض التقارير أن إيران زوّدت القوات المسلحة السودانية بأسلحة شملت طائرات مُسيّرة منحت الجيش تفوّقًا ميدانيًا في مواجهة قوات الدعم السريع. وبالتزامن مع التصعيد الإقليمي للمواجهة الأمريكية-الإيرانية، شكّل الإعلان العلني لـ«لواء البراء بن مالك» عن تضامنه مع إيران في مطلع عام 2026، الشرارة المباشرة التي عجّلت بالتصنيف الأمريكي للجماعة السوادنية. بيد أن الدوافع العميقة لهذا القرار كانت هيكلية أمنية بامتياز، ولم تكن دوافع ظرفية عابرة.
كيف أسهمت أفكارُ «جماعة الإخوان» في تشكيل ملامحِ الثورةِ الإيرانية
تستند العلاقة العملياتية بين الحركة الإسلاموية السودانية والدولة الإيرانية إلى أساسٍ أيديولوجي متين طالما أغفلته التحليلات التي تُركّز حصرًا على البُعد الأمني. فالافتراض القائل بأن حركات الإسلام السياسي السنّية والحركات الدينية السياسية الشيعية يُمثّلان طائفتين مُنفصلتين انفصالًا تامًا، وأن أيّ التقاء بينهما لا يُفسَّر إلا بحسابات المصلحة لا بالتقارب الفكري، هو افتراض خاطئ ينمّ عن قراءة قاصرة للتاريخ الفكري للحركتين.
وتتجلّى أوضح الشواهد المُوثّقة على هذا التقارب الأيديولوجي في العلاقة التي ربطت جماعة الإخوان المسلمين في مصر بالدوائر الثورية الإيرانية خلال العقود السابقة لعام 1979. فلم يكن سيد قطب (1906–1966)، المنظّر الأبرز للجماعة، مجرد مُفكر مُتطرّف اطّلع عليه الثوريون الإيرانيون على نحو انتقائي، بل تُرجمت أعماله ونُشرت وحظيت باحتفاءٍ مُؤسسي واسع داخل الأوساط الإسلاموية الإيرانية بوصفه مرجعية فكرية مشتركة. وقد تُرجمت مؤلفاته الرئيسية كافة إلى الفارسية، بما فيها تفسيره الضخم «في ظلال القرآن»، خلال الفترة بين خمسينيات وسبعينيات القرن العشرين، ضمن ما أطلق عليه آية الله هادي خسروشاهي مصطلح «نهضة الترجمة». ولم يكن القائمون على هذه الترجمات شخصيات هامشية، بل كان منهم المرشد الأعلى الإيراني الراحل، آية الله علي خامنئي، الذي ترجم كتابَي «قطب» «المستقبل لهذا الدين» عام 1967 و«هذا الدين»، وشقيقه «محمد خامنئي» الذي ترجم كتاب «خصائص التصوّر الإسلامي» عام 1972.
غير أن الشروط المُمهّدة لتلقي هذا الفكر كانت قد تهيّأت في مرحلة أبكر؛ ففي عام 1954 شارك «نوّاب صفوي» (1924–1955)، مُؤسّس التنظيم الثوري الإيراني «فدائيو الإسلام»، في مؤتمر حول فلسطين عُقد في الأردن تحت إشراف «قطب». ثم زار «صفوي» مصر والتقى قيادات جماعة الإخوان، وعاد إلى إيران داعية ومدافعًا صريحًا عن أيديولوجيتها وأفكارها، حتى نُقل عنه قوله إن أي مسلم شيعي يتطلّع ليكون مؤمنًا حقًا ينبغي له الاقتداء بالإخوان المسلمين. وكان «صفوي» أول إيراني يستخدم مصطلح «الحكومة الإسلامية» في سياق شيعي، وقد حمل مشروعه لهذه الحكومة، المنشور عام 1950، بصمات تأثّره المباشر بأفكار «حسن البنا». وقد صرّح المرشد الأعلى الراحل «خامنئي» في سيرته الذاتية بأنه ولج عالم السياسة لأول مرة تحت تأثير «صفوي».
وتكمن الآلية العقائدية التي يسّرت انتقال هذه الأفكار عبر الحواجز المذهبية في مقاربة «قطب» للتاريخ السياسي الإسلامي المبكر. فقد تقاطعت جرأته في انتقاد الخليفة الثالث عثمان بن عفان بزعم المحاباة لأقربائه، ونظرته إلى صعود الدولة الأموية بوصفه انحرافًا عن المشروع الإسلامي، مع التفسيرات الشيعية التقليدية على نحو خفّف من الصدام المذهبي وأتاح للقرّاء الإيرانيين استيعاب أفكاره السياسية دون الاصطدام بحواجز طائفية مستعصية. وقد حرص المترجمون إلى الفارسية على إبراز أوجه الالتقاء هذه في مقدّماتهم بوضوح، فأدّوا بذلك أدوارًا سياسية وأيديولوجية، وليست مجرد أدوار لغوية، على غرار ما رصدته الباحثة ومُنظّرة علم الترجمة ماريا تيموتشكو في حركات ترجمة مماثلة في حقبة ما بعد الاستعمار.
ولم تكن حركة الترجمة هذه ظاهرة هامشية في الثورة الإيرانية، بل أدّت، شأنها شأن أعمال «قطب» في عموم العالم الإسلامي، ما وصفته «تيموتشكو» بدور «الوسيلة الخفية للتأصيل الثقافي»؛ إذ أسهمت في بناء هويات أيديولوجية مشتركة عابرة للمذاهب من خلال تقديم الإسلام السياسي بوصفه نظامًا شاملًا قادرًا على منافسة الأفكار القومية العلمانية والأيديولوجيا الاشتراكية. ولمّا كانت إيران قبل الثورة تفتقر تحديدًا إلى خطاب إسلاموي سياسي حديث، جاءت نصوص «قطب» لتسدّ جانبًا كبيرًا من هذا الفراغ.
أما الوعاء المُؤسّسي الذي احتضن هذا التبادل الفكري فقد تمثّل في حركة «دار التقريب» (حركة التقريب بين المذاهب) التي سعت منذ ثلاثينيات القرن العشرين إلى مدّ جسور التقارب بين المذاهب الفقهية السنّية والشيعية، ووفّرت إطارًا من الشرعية المؤسسية أتاح للمفكرين المرتبطين بالإخوان ورجال الدين الإيرانيين تبادل الأفكار دون أن يضطر أي طرف إلى التخلّي رسميًا عن هويته المذهبية. وهكذا حوّلت هذه البنية التقاربية ما كان يمكن أن يظلّ مجرد علاقات شخصية غير رسمية إلى قناة منظّمة للتأثير الأيديولوجي.
أواصرٌ تتجاوز حدودَ التاريخِ المُشترك: الركائزُ الثلاث التي توطّد أواصرَ التحالف
لا يمكن اختزال العلاقة الأيديولوجية بين جماعة الإخوان المسلمين والمشروع الثوري الإيراني في شبكات علاقات شخصية أو نصوص فكرية مُشتركة. فقد ارتكزت هذه العلاقة على ثلاث نقاط التقاء هيكلية منحتها الاستدامة والحضور التنظيمي عبر سياقات وطنية مختلفة.
وقد تمثّلت نقطة الالتقاء الأولى في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية. فقد حرص كلٌّ من الإخوان ونظام إيران ما بعد الثورة باستمرار على إخضاع الانتماء المذهبي لغاية أسمى هي بناء مجتمع سياسي إسلامي مُوحّد قادر على مواجهة الغرب ورفض نماذج الحكم الحديثة. وقد أضفت إيران طابعًا مؤسسيًا على هذه الأجندة بتأسيس «مؤتمر الوحدة الإسلامية» عام 1981 باقتراح من آية الله منتظري وموافقة «الخميني»، وصار يُعقد سنويًا خلال «أسبوع الوحدة الإسلامية» في شهر ربيع الأول. وفي المقابل، أطّرت النصوص التأسيسية للإخوان، ولا سيما رسالة «حسن البنا» حول الخلافة، الحركات الإسلاموية السياسية العابرة للحدود بوصفها فريضة دينية لا مجرد خيار سياسي. وقد تعامل الطرفان مع الدولة الوطنية وحدودها بوصفها عقبة أمام تحقيق المشروع السياسي الإسلاموي لا أداة له؛ وهو توافق ترتّبت عليه تداعيات عملياتية مباشرة في طريقة إدارة كلٍّ منهما لشبكاته العابرة للحدود.
وقد تمثّلت نقطة الالتقاء الثانية في التطلّع نحو نموذج حكم إسلاموي يتجاوز هياكل الدول القائمة. ففي الجانب السنّي، انعكس هذا التوجّه في خطاب الخلافة لدى الإخوان، وفي انتشار الحركات المنتسبة للجماعة التي سعت إلى السيطرة والحكم عبر الدولة وليس الدعوة إلى العمل بموازاتها وتحت ظلها. أما في الجانب الإيراني، فقد أفرز هذا التوجّه مفهوم «ولاية الفقيه»، أي البنية المؤسسية التي ادّعى من خلالها «الخميني» سلطةً شرعية على جميع المسلمين بصرف النظر عن مذهبهم. وقد لاحظ المراقبون آنذاك هذا التوازي الهيكلي؛ فمبدأ «الحاكمية»، أي جعل سيادة التشريع والحُكم لله وحده، الذي يمثّل جوهر الفكر العقائدي السياسي لدى «قطب» وتبنّته لاحقًا حركات إرهابية عالميًا، يجد نظيرًا وثيقًا في مفهوم ولاية الفقيه الذي تقوم عليه التصوُّر الذاتي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فكلتا العقيدتين تحصران الشرعية السياسية المطلقة في يد طليعة دينية حاكمة وليس في تفويض شعبي أو سيادة إقليمية، وكلتاهما ترفضان أنظمة الحكم العلمانية صراحةً وتعدّانها شكلًا من أشكال الكفر. وحين نشرت جماعة الإخوان عام 1979 كتابًا بعنوان «البديل الإسلامي» قدّمت فيه الجمهورية الإسلامية نموذجًا صالحًا للاقتداء به، لم يكن التقارب عندئذ تقاربًا بلاغيًا فحسب، بل كان توافقًا عمليًا واضحًا ومدروسًا.
أما نقطة الالتقاء الثالثة فكانت النزعة التوسُّعية. فعقيدة «الخميني» في تصدير الثورة لم تكن موقفًا تكتيكيًا مرحليًا وظرفيًا، بل مبدأً تأسيسيًا راسخًا أعلنه صراحةً في الذكرى الأولى للثورة في فبراير 1980 حين قال إن إيران تعمل على تصدير ثورتها إلى مختلف أنحاء العالم لأنها ثورة إسلامية. وعلى المنوال نفسه، كان المنطق التنظيمي للإخوان عابرًا للحدود بطبيعته؛ فـ«التنظيم الدولي للإخوان المسلمين»، الذي بادرت أمانته العامة في مصر إلى التواصل مع الجمهورية الإسلامية فور نجاح الثورة وتهنئتها بانتصارها، كان مصممًا أصلًا للعمل خارج أُطر الحدود الوطنية. وقد ورثت «الجبهة الإسلامية القومية» في السودان، بوصفها جزءًا من هذه الشبكة الدولية، هذا التوجّه التوسعي وما رافقه من علاقة وروابط عملياتية مع طهران. وقد كانت استضافة «الترابي» لـ«المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي» في الخرطوم عام 1991، الذي جمع طيفًا واسعًا من التنظيمات المُتطرفة كافة بمن فيهم «القاعدة» و«حماس»، أبرز تعبير عن كيفية تحويل الحركة الإسلاموية السودانية لهذا الإرث المزدوج إلى استراتيجية إقليمية ملموسة.
كيف تحوّلت الخرطوم إلى عُقدة ارتكازٍ استراتيجية
لم تتطوّر الحركة الإسلاموية السودانية بمعزلٍ عن هذه التيارات. فقد تشكّلت «الجبهة الإسلامية القومية» والكيانات التي تعاقبت بعدها تحت تأثير شبكات الإخوان التي حافظت على صلات تنظيمية ومالية بمصر منذ خمسينيات القرن العشرين، وكذلك تحت تأثير النصوص القطبية نفسها التي جرى تداولها في العالمين العربي والإيراني. وكان حسن الترابي، المهندس الفكري لدولة الإسلامويين في السودان، نتاج شبكات الحركة الطلابية المنتسبة للإخوان، وقد سعى صراحة إلى بناء تحالفات إسلامية عابرة للحدود، فاتجه في آن واحد نحو الحركات الإسلامية السُنية وكذلك نحو طهران بعد عام 1989. ولم تكن استضافته لـ«المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي» في الخرطوم عام 1991، الذي جمع شخصيات من مختلف أطياف التطرُّف، بينهم أسامة بن لادن، إلا محاولة مُتعمّدة لوضع السودان في موقع المركز التنظيمي لمشروع إسلاموي عابر للحدود يتجاوز الفواصل المذهبية والوطنية.
وعلى هذا الأساس، فإن علاقة «جماعة الإخوان» في السودان بإيران تعكس استمرارية تنظيمية تضرب بجذورها في إرثٍ أيديولوجي مُشترك، وليس مجرد اصطفاف تكتيكي فرضته ضرورات الحرب. فتدريب «الحرس الثوري الإيراني» لعناصر الأمن السودانيين في مطلع التسعينيات، والشراكة في «مصنع اليرموك»، وتوريد الطائرات المُسيّرة للقوات المسلحة السودانية، كلّها تجلّيات لمنطق سياسي تأسّس بالتزامن مع نشأة الحركات الإسلاموية السياسية السودانية ذاتها. ويقوم هذا المنطق على قناعة بأن الدولة الإيرانية تمثّل نموذجًا مؤسسيًا أثبت جدارته في تحقيق الأهداف السياسية الإسلاموية، وأن التقارب الأيديولوجي بين شبكات الإخوان السُنّية والدولة الثورية الشيعية تقارب حقيقي ودائم وقابل للاستثمار العملياتي.
وقد جسّد بيان التضامن العلني الذي أصدره «لواء البراء بن مالك» مع إيران في مطلع عام 2026 حالة التوتر التي يُفرزها هذا المنطق في اللحظة الراهنة. فقد حذّر قائد القوات المسلحة السودانية عبدالفتاح البرهان صراحةً من الانحياز العلني لطهران، مُدركًا أن كلفة الاصطفاف الظاهر مع الجانب الإيراني في خضمّ مواجهة أمريكية إيرانية مشتعلة ستتجاوز الحدود الدبلوماسية بكثير. غير أن بيان اللواء المُتطرّف لم يكن شذوذًا عن مبادئهم، بل كان كشفًا صريحًا عن التزام راسخ ظلّ يُشكّل سياسات الإسلامويين السودانيين لأكثر من ثلاثة عقود.
إدراج الجماعة السودانية على قوائم الإرهاب بداية المسار وليس نهايته
يُمثّل التصنيف الأمريكي لجماعة الإخوان في السودان و«لواء البراء بن مالك» أداة ضغط ضرورية تفرض كلفة حقيقية على حركة مارست لعقود دورًا مزدوجًا بصفتها جهة سياسية فاعلة وشبكة وساطة مُتطرّفة في آن واحد. فتجميد الأصول وتقييد الموارد المالية ورفع مستوى المخاطر القانونية على الوسطاء تستهدف مجتمعةً البنية التحتية العملياتية التي تحفظ لهذا التنظيم الإرهابي دوره المزدوج. كما يبعث التصنيف رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لن يُعامل شبكات الإخوان المُسلّحة كأطرافٍ سياسيةٍ مشروعة لمجرد أنها تعمل ضمن هيكل دولة معترف بها.
بيد أن الأثر الحقيقي لهذا التصنيف يتضح حين يُفهم بوصفه الخطوة الأولى في حملة مكافحة وإنفاذ مُستدامة تستهدف التنظيم، لا بوصفه حلًا ذاتي التنفيذ. فجماعة الإخوان في السودان ليست كتلة متجانسة، بل تضمّ فصائل تتفاوت في مستوى انخراطها العملياتي مع إيران، وفي مدى تعرّضها للنطاق القانوني للتصنيف، وفي تقديراتها وحساباتها بشأن كلفة استمرار الاصطفاف مع طهران في ظروف الحرب. وقد جاء تحذير «البرهان» الصريح من الدعم العلني لإيران، ردًّا على بيان اللواء المُتطرّف، ليعكس هذا التمايز والتباين الداخلي بدقة. وسيخلق هذا التصنيف ضغطًا وتأثيرًا في تلك الحسابات، لكن حجم النفوذ التنظيمي الذي ستخسره الجماعة فعليًا سيتوقّف على مدى توظيف هذا الضغط بطريقة استراتيجية منتظمة ومدروسة.
ويظلّ اعتماد القوات المسلحة السودانية على الميليشيات المرتبطة بالإخوان بوصفها قوة مشاة ميدانية هو المتغيّر الأهم في هذه المعادلة. فأيّ تساهلٍ أو تعاونٍ مع الكيانات المُصنّفة أنها إرهابية يضع الجيش السوداني نفسه في دائرة مخاطر العقوبات، ويضع القيادة العسكرية أمام معادلة صعبة بين اختيار الضرورة العملياتية أو الشرعية الدولية. وإذا استمر هذا الضغط، فقد يخلق حافزًا حقيقيًا لدى قيادة الجيش لتهميش المُتشدّدين الإسلامويين سياسيًا والمباعدة بين المؤسسة العسكرية والشبكات التي باتت تحمل تصنيفات إرهابية رسمية. وبذلك يمنح التصنيف القوى السياسية الفاعلة في السودان ذريعة مشروعة وسندًا دوليًا لإعادة هيكلة علاقتهم بالقاعدة الإسلاموية، إن هي اختارت توظيف هذه الذريعة.
لكنّ ما يعجز التصنيف عن تحقيقه هو تفكيك الروابط الأيديولوجية العميقة بين الحركة الإسلاموية السودانية والمشروع الثوري الإيراني. فتلك العلاقة تمتدّ من حركة «دار التقريب» مرورًا بحركة «نهضة الترجمة» وصولًا إلى تشكيل «الجبهة الإسلامية القومية» ثم خطوط إمداد السلاح الراهنة. إذ هي ثمرة التاريخ الفكري بقدر ما هي نتاج الحسابات الجيوسياسية، وقد تأسّست على مدى عقود عبر نصوص مشتركة وشبكات تنظيمية وتقاربات عقدية سبقت أيّ ترتيب أمني ثنائي. ومن ثم، فإن الحفاظ على زخم الضغط الذي أطلقه هذا التصنيف وتحويله إلى تغيير هيكلي دائم داخل المنظومة الأمنية السودانية يستلزم استراتيجية مُوازية ومُكمّلة تعالج الجذور الأيديولوجية والمؤسسية لتلك العلاقة، ولا تكتفي بمعالجة مظاهرها المالية فحسب.
تمكّن الإخوان في السودان يُنذر بانكشافِ أمن البحر الأحمر
إن عواقب ترك «جماعة الإخوان» في السودان تعمل بحرية وبتنسيق مع إيران تتجاوز حدود السودان بكثير؛ فأي قراءة لواقع الجغرافيا الاستراتيجية يبيّن ذلك بوضوح. إذ يقع الساحل السوداني على البحر الأحمر عند نقطة تقاطع محورية بين خطوط الملاحة البحرية العالمية والممرّات البرية في القرن الإفريقي والمساحات الشاسعة المُنفلتة أمنيًا في منطقة الساحل. وإذا ما حافظت الجماعة في السودان على تماسكها التنظيمي وحصلت على دعمٍ لوجستي إيراني وتمتعت بحرية عملياتية داخل السودان، فإنها لا تمثّل مشكلة حوكمة داخلية فحسب، بل تتحوّل إلى حلقة وصل وعُقدة تسهيل مركزية تربط الطموحات الإقليمية الإيرانية بالبنية التحتية للتطرُّف العابر للحدود في لحظة يسعى فيها الطرفان إلى التمدّد وتوسيع نفوذهما.
ولطالما تطلّعت إيران إلى إرساء وجود بحري في بورتسودان. وقد أدى الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز، بعد تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية في مطلع 2026، إلى رفع القيمة الاستراتيجية للوصول إلى البحر الأحمر على نحو كبير. وفي الوقت نفسه، تنافست قوى إقليمية مختلفة على استمالة الخرطوم طلبًا لحقوق استخدام الموانئ أو إقامة قواعد، بما يعكس احتدام التنافس على هذا الممر. وفي ظل هذا المشهد، فإن بقاء «جماعة الإخوان» مرتبطة عملياتيًا بطهران يمنح إيران النفوذ السياسي الميداني الذي تحتاج إليه لترسيخ وجودها على جبهة البحر الأحمر وتوسيعه، بصرف النظر عن المواقف الدبلوماسية الرسمية التي تعلنها قيادة الجيش السوداني.
ويضيف البُعد الإرهابي مستوى ثانيًا من الخطر. فبحلول نوفمبر 2025، شرع تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» و«داعش» في تأطير سرديات تصف الحرب السودانية بأنها فرصة للتعبئة العقدية. فقد قدّم بيان صادر عن «القاعدة» النزاع باعتباره جزءًا من اعتداء متواصل على الأمة الإسلامية، داعيًا المقاتلين في المنطقة إلى التعامل معه كفريضة مشتركة. كما قدّم إصدار مرئي للتنظيم بعنوان «السودان: جرح الأمة المنسي» الانهيار الإنساني في السودان بوصفه دليلًا على عجز الديمقراطية والمؤسسات الدولية عن حماية المسلمين، وطرح الجهاد المُسلح على أنه الرد الوحيد الجدير بالاعتداد. وفي الوقت ذاته، ذهب تنظيم «داعش» في العدد 519 من نشرته الأسبوعية «النبأ» إلى أبعد من ذلك، حين دعا شباب مصر وليبيا صراحة إلى طرح الولاءات القومية جانبًا، واستخدام السودان «ساحة مفتوحة ومضطربة» للإعداد للعمليات الإرهابية، مع دعوات وإشارات صريحة إلى تمديد النزاع جنوبًا نحو ما سمّاه «الجنوب المسيحي»، بما يشمل جنوب السودان وإثيوبيا والقرن الإفريقي الأوسع.
وهذه البنية السردية المُتطرّفة ليست ضجيجًا دعائيًا عابرًا، بل هندسة منهجية لبناء جمهور مستهدف. فتصوير مجلة «النبأ» للسودان باعتباره ساحة انطلاق يمكن الوصول إليها من دول الجوار، وتعريفه للحركة العابرة للحدود بوصفها البذرة الأولى لقاعدة عملياتية جديدة، يتطابقان تمامًا مع واقع جغرافي يعمل محور الإخوان وإيران على جعله أكثر هشاشة وقابلية للاختراق. فـ«جماعة الإخوان» التي تتمتع بحرية العمل في السودان توفّر البنية التحتية اللوجستية والسياسية التي يحتاجها الفاعلون المُتطرّفون العابرون للحدود؛ من ممرّات تنقّل آمنة، وتسهيلات في الوثائق، ووساطة مالية، وإضفاء شرعية أيديولوجية داخل المجتمعات المحلية. كما أنال تلاقي بين الدعم الإيراني الحكومي وعمليات تجنيد لجهات جهادية فاعلة من غير الدول في الساحة العملياتية ذاتها ليس سيناريو افتراضيًا، بل هو النمط الموثّق لكيفية استغلال المسارح المنفلتة أمنيًا أو الهشّة إداريًا في ليبيا واليمن ومنطقة الساحل.
وينبغي إيلاء الجانب الأمني المتعلق بالقرن الإفريقي اهتمامًا خاصًا. فدعوة مجلة «النبأ» إلى التعامل مع السودان بوصفه ساحة ارتكاز تنطلق منها العمليات نحو «الجنوب المسيحي» تعكس منطقًا استراتيجيًا يمتدّ عبر شرق السودان ليبلغ إريتريا وإثيوبيا ومضيق باب المندب، وهو الممر الملاحي الذي يمرّ عبره نحو اثني عشر بالمئة من التجارة العالمية. وقد أثبتت الهجمات المتجدّدة للحوثيين على حركة الشحن في البحر الأحمر عقب اندلاع المواجهة الأمريكية الإيرانية في فبراير 2026 كيف يمكن لعمليات الوكلاء الإيرانيين تحويل هذا الممرّ إلى منطقة اعتراض مستدامة. وإذا بقيت «جماعة الإخوان» مندمجة في هيكل قيادة الجيش السوداني مع احتفاظها بروابط عملياتية بطهران، فإن ذلك يمنح إيران قدرة على مواصلة هذا الضغط من محورين: عمليات بحرية ينفّذها الوكلاء من الجانب اليمني، وتسهيل برّي من الجانب السوداني؛ وهذا من شأنه أن يُفاقم تهديد الأمن البحري الإقليمي على نحو يتجاوز ما يستطيع أيٌّ من المحورين إحداثه بمفرده.
وبناءً على ذلك، فإن حسابات المخاطر لا تتعلق فقط بما تفعله «جماعة الإخوان» داخل السودان، بل بما سيصير إليه السودان نفسه بوصفه بيئة عملياتية إذا احتفظت الجماعة بحريتها التنظيمية ودعمها الإيراني معًا. فوجود جماعة مصنّفة إرهابيًا لكنها سليمة هيكليًا وتعمل داخل دولة ضعيفة عاجزة عن فرض الامتثال لمتطلبات التصنيف هو السيناريو الذي تغدو فيه الطموحات الاستراتيجية الإيرانية وتمدّد الشبكات المُتطرّفة العابرة للحدود أكثر قابلية للتحقّق. ومنع هذه النتيجة يستلزم ضغطًا مستدامًا لإنفاذ القانون على تدفقات الموارد المالية وخطوط إمداد السلاح وشبكات التسهيل العابرة للحدود، وهو ضغط لا يكفله التصنيف وحده دون إجراءات داعمة ومستمرة وموازية.


