

تحوير السرديات السائدة: كيف تستميلُ الدعاية المُتطرّفة المُعاصرة شباب «جيل زِد»
ما المقصود بمفهوم «الفاعلية المُتطرّفة لدى جيل زِد»؟
تطرح هذه الدراسة هذا المفهوم وتُطوّره بوصفه إطارًا تحليليًا مُبتكرًا يرصد ظهور نمط من الخطاب الدعائي يقوم على فكرة التمكين، ويُصوِّر الشباب والشابات على نحو متزايد، لا بوصفهم أنصارًا سلبيين على الهامش، بل باعتبارهم فاعلين أيديولوجيين يمتلكون زمام المبادرة ويضطلعون بدور محوري في المشروع المُتطرّف. وفي هذا التصوّر، لا تُعدّ الفاعلية عنصرًا عارضًا، بل ركيزة أساسية في بنية استراتيجيات التواصل المُتطرّف المعاصر. فبدلًا من الاقتصار على مطالبة الأتباع بالانصياع والطاعة العقائدية الصارمة في إطار ديني جامد، أخذت الدعاية المُتطرّفة المعاصرة تستعير مفردات من خطاب العلاج النفسي مثل التعافي من الصدمات والصلابة العاطفية والصحة النفسية، وتوظّف في الوقت ذاته مفاهيم قريبة من خطاب الاستقلالية وتقرير المصير، فضلًا عن استثمار ظاهرة «الخوف من فوات الفرصة» بوصفها آلية للتعبئة النفسية. ومن خلال هذه الاستراتيجيات مجتمعة، يُعاد تقديم الانخراط في التطرّف على أنه سبيل إلى تحقيق الذات واكتساب الغاية الأخلاقية وبناء الهوية، بحيث يُربط الالتزام الأيديولوجي بالبحث عن المعنى والانتماء والاعتراف.
وتُحدّد الدراسة أربع سمات في المنطق الثقافي لـ«جيل زِد» تبدو أكثر عرضة للاستغلال في هذا السياق: النشأة الرقمية والثقافة الإعلامية التشاركية؛ والتواصل القائم على العاطفة والتجربة الشخصية المعاشة؛ وتصاعد الوعي السياسي والحساسية النقدية إزاء المؤسسات القائمة؛ والتحوّلات الجارية في التوقعات المرتبطة بأدوار الجنسين وحدود فاعلية الأفراد ومشاركتهم في الشأن العام. وتُثبت المعطيات التحليلية أن هذه السمات لم تعد مجرّد أهداف تسعى الدعاية إلى استثمارها، بل تحوّلت إلى مكوّنات بنيوية مُدمجة في صلب استراتيجيات التواصل المُتطرّف عبر مختلف المنصات التنظيمية وأشكال الإصدارات، حيث تُسهم في تشكيل الجماليات البصرية ونبرة السرد وطرائق التفاعل مع الجمهور. كما تُعزّز أنماط الثقافات الرقمية الفرعية وأساليب التواصل المستوحاة من عالم المؤثّرين وحلقات التفاعل التشاركي شعورًا بالحضور والمشاركة في صناعة وإنتاج الرسالة، فيتغلغل المحتوى الأيديولوجي داخل بيئات تواصلية مألوفة لدى هذا الجيل.
غير أن هذه الدينامية تنطوي على مفارقة جوهرية: فـ«الفاعلية المُتطرّفة لدى جيل زِد» تمنح الفرد إحساسًا ذاتيًا بالتحرّر، في الوقت الذي تُرسّخ فيه الطاعة الأيديولوجية وتُعمّقها. فالاستقلالية التي تَعِد بها تبدو حقيقية على صعيد التجربة الفردية، لكنها تظلّ مُقيّدة بإحكام ضمن الغايات الكبرى والتوجّه الاستراتيجي الذي تفرضه التنظيمات المُتطرّفة. ولهذه الفاعلية المقيّدة تبعات عملياتية ملموسة، كما تُظهر حالات أوروبية حديثة، منها خلايا صغيرة تقودها نساء ومراهقون اندفعوا نحو التعبئة الذاتية في إيطاليا، مما يؤكّد أن هذه التحوّلات في السرديات ليست تجارب خطابية عابرة، بل آليات تجنيد فعّالة تُنتج آثارًا ملموسة حتى في البيئات التي لا تُعدّ بؤرًا تقليدية للتطرّف. وعلى هذا النحو، يتحوّل التفاعل بين خطاب التمكين ومقتضيات الطاعة إلى مشاركة لامركزية أوسع نطاقًا دون أن يُفضي ذلك إلى إرخاء قبضة السيطرة الأيديولوجية.
وتخلص الدراسة إلى أن العمر والنوع الاجتماعي ينبغي أن يُنقلا من هامش التحليل إلى صدارته، في دراسات التطرّف وممارسات مكافحة الإرهاب على السواء. فبرامج الوقاية ينبغي لها التفاعل مع القواعد الثقافية والوجدانية التي تُشكّل عالم «جيل زِد»، بما في ذلك خطاب التمكين ولغة الصحة النفسية ومنطق الثقافات الرقمية الفرعية، بدلًا من الاعتماد الحصري على نماذج الردع العقلاني التقليدية. وتدعو نتائج الدراسة إلى إدماج مقاربات تحليلية تُراعي بُعدَي الشباب والنوع الاجتماعي في آليات الكشف المبكّر وتصميم السرديات المضادّة وأنشطة الرصد الاستخباراتي، مع إيلاء عناية خاصة للخلايا اللامركزية الصغيرة التي تقودها نساء، والتي كثيرًا ما تعمل دون العتبة المعتادة لآليات رصد التنظيمات المُتطرّفة لدى أجهزة إنفاذ القانون، وتطرح تحدّيًا حقيقيًا للافتراضات الراسخة بشأن أنماط التجنيد ومستويات الظهور وتقدير المخاطر العملياتية.



