

الإرث الفكري العابر للمذاهب في الحركات الإسلاموية: كيف أسهم فكر جماعة الإخوان و«المودودي» في مسار الثورة الإيرانية
غالبًا ما تُحلَّل الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 ضمن إطارٍ تأويلي يختزلها في المرجعية السياسية-الفقهية الشيعية، ويقوم على ركيزتي نظرية «ولاية الفقيه» والبنية المُؤسّسية الخاضعة لوصاية المؤسسة الدينية. غير أن هذه الدراسة التي أجراها «مركز صواب» تُجادل بقصور هذا الإطار التحليلي؛ إذ تُبيّن أن الأسس الأيديولوجية للمشروع الثوري الإيراني لم تتشكّل بفعل الفقه السياسي الشيعي وحده، وإنما تشكّلت كذلك بتأثير أفكارٍ مستمدةٍ من التراث الإسلاموي السُني. كما تبحث الدراسة في الكيفية التي تجاوزت بها المفاهيم المحورية التي طوّرتها جماعة الإخوان المسلمين و«الجماعة الإسلامية» الحدود المذهبية خلال الفترة الممتدة بين أواخر أربعينيات وأواخر سبعينيات القرن العشرين، قبل أن تصبح جزءًا من البنية الفكرية والسياسية للجمهورية الإسلامية
وتستهل الدراسة بتتبّع نشأة الإسلاموية الحديثة بوصفها تيارًا أيديولوجيًا عابرًا للحدود، وليس مجموعةً من التقاليد المذهبية المنعزلة. فعلى الرغم من أن الحركات الإسلاموية السُنية والشيعية تُصوَّر غالبًا بوصفها تياراتٍ فكريةً منفصلة، فإن السجل التاريخي يكشف عن تفاعلٍ مستمر بين أبرز منظّريها وروادها. ومن هذا المنطلق، فإن فهم الجذور الأيديولوجية لإيران في مرحلة ما بعد الثورة يقتضي تتبّع الشبكات المُؤسّسية، والعلاقات الشخصية، والتبادلات الفكرية التي ربطت بين أبرز رموز الإسلاموية السُنية ورجال الدين الإيرانيين المنخرطين في النشاط السياسي خلال العقود التي سبقت الثورة.
وقد انتقلت هذه الأفكار عبر ثلاث قنواتٍ مترابطة. تمثلت الأولى في «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية» بالقاهرة، التي سعت إلى تعزيز التعاون الفكري بين علماء السنة والشيعة. وتجسدت الثانية في العلاقات الشخصية التي جمعت شخصياتٍ مثل «نواب صفوي»، و«آية الله الخميني»، و«أبي الأعلى المودودي»، بما أوجد قنواتٍ مباشرة للتبادل الفكري والأيديولوجي. أما القناة الثالثة، وربما الأكثر تأثيرًا، فتمثلت في الترجمة المنهجية لمؤلفات «سيد قطب» و«المودودي» إلى اللغة الفارسية على يد كل من «هادي خسروشاهي» و«علي خامنئي». وقد أسهمت هذه الترجمات في نقل المفاهيم الإسلاموية التأسيسية إلى جمهورٍ إيراني جديد، وترسيخها ضمن الخطاب الفكري الذي مهّد لقيام الثورة.
وتخلص هذه الدراسة إلى أن إيران لم تستنسخ الفكر الإسلاموي السُني استنساخًا كاملًا، وإنما عمدت إلى استيعاب مفرداته الأيديولوجية الأساسية بصورة انتقائية، ثم أعادت توظيفها داخل إطارٍ مُؤسّسيٍ شيعي متميّز. فقد دُمجت مفاهيم مثل الإسلاموية بوصفها نظامًا سياسيًا شاملًا، والحاكمية الإلهية، ورفض الدستورية العلمانية، ضمن نظامٍ دستوريٍ يقوم على مبدأ «ولاية الفقيه»، وهو مفهوم لا يوجد له نظير مباشر في التراث السُني. وقد أفضت هذه العملية إلى نشوء نموذجٍ ثوريٍ هجين، تستند لغته الأيديولوجية إلى أفكار جماعة الإخوان المسلمين و«المودودي»، بينما ظلّت بنيته المُؤسّسية متجذرة في الفقه السياسي الشيعي.
ويُعد «الحرس الثوري الإيراني» التعبير المُؤسّسي الأبرز عن هذا التداخل الأيديولوجي. وتُجادل الدراسة بأن هذه المؤسسة حوّلت مفهوم «الطليعة» الذي صاغه «سيد قطب» إلى مؤسسة دائمة تابعة للدولة أُنيط بها حماية الثورة وصون مشروعها الأيديولوجي. وبهذا المعنى، قدّمت إيران أول تجسيدٍ مُؤسّسيٍ عملي لهذا المفهوم، الذي ظل حبيس الإطار النظري في معظم أدبيات الحركات الإسلاموية الأخرى.
كما تبحث الدراسة في تطور التحالفات السياسية بعد الثورة. فعلى الرغم من أن التباينات الاستراتيجية والصراعات الإقليمية أضعفت العلاقات الرسمية بين طهران وجماعة الإخوان المسلمين منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن التوافق الأيديولوجي بين الطرفين لم يختفِ. ولا تزال عناصر هذا القاموس السياسي المشترك حاضرة في علاقاتٍ انتقائية مع فاعلين مثل حركة «حماس» وفرع الإخوان المسلمين في السودان، كما يظل أثرها واضحًا في المؤسسات المعنية بتعزيز الوحدة الإسلامية، وفي اللغة الدستورية التي تقوم عليها الدولة الإيرانية.
وتتمثل الحجة المركزية لهذه الدراسة في أن فهم الجذور الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية يقتضي تجاوز التفسير الضيق القائم على الانتماء المذهبي وحده. فقد نشأ النموذج الثوري الإيراني نتيجة تبادلٍ فكريٍ عابرٍ للمذاهب، جرى خلاله تكييف المفاهيم الإسلاموية السُنية وإعادة صياغتها داخل إطارٍ سياسيٍ شيعي، مما أفرز تركيبًا أيديولوجيًا ومؤسسيًا لا يزال تأثيره حاضرًا في بنية الدولة الإيرانية وتوجهاتها، بعد أكثر من أربعة عقود على قيام الثورة.
قم بتنزيل الورقة البحثية



