تحديات مجتمعيةتحديات ناشئة

التطرُّف في عصر الذكاء الاصطناعي: آفاقٌ جديدةٌ للاستقطاب الراديكالي

لم يعد الذكاء الاصطناعي هاجسًا مستقبليًا أو نظريًا بالنسبة للعاملين في مجال مكافحة التطرُّف العنيف، بل أصبح واقعًا عملياتيًا قائمًا بالفعل. فقد سارعت الجماعات المُتطرّفة إلى تبنّي الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ليس لأنها تمتلك خبرات تقنية متقدمة، بل لأن هذه الأدوات أصبحت أكثر سهولة في الوصول، وأقل تكلفة، وأكثر فاعلية. وتبحث هذه الدراسة في الكيفية التي يُعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل ديناميكيات الاستقطاب الراديكالي وتجنيد المُتطرّفين عبر أربعة مجالات مترابطة: بوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي التوليدي وأنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي المُستقلة، ومنصات الألعاب الإلكترونية، والمشهد التنظيمي والسياساتي الذي يسعى إلى مواكبة هذه التحولات والاستجابة لها.

وتستهل الدراسة بتتبّع تطوّر الذكاء الاصطناعي منذ بداياته القائمة على الأنظمة المعتمدة على القواعد في منتصف القرن العشرين، وصولًا إلى النماذج اللغوية الكبيرة والأنظمة المُستقلة التي نشهدها اليوم. وتكتسب هذه الخلفية التاريخية أهمية أساسية، لأن فهم ما أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنجازه اليوم — ولماذا يُشكّل ذلك أهمية خاصة في سياق التطرُّف — يتطلّب إدراك حجم التوسع الهائل الذي شهدته قدراته خلال فترة زمنية قصيرة للغاية. فالذكاء الاصطناعي بات اليوم يُؤثّر في ما يراه الناس ويقرؤونه ويقتنعون به عبر المنصات الرقمية الكبرى، وغالبًا ما يحدث ذلك دون وعيٍ منهم. ويمتد هذا التأثير بصورة طبيعية إلى المجالين السياسي والأيديولوجي.
وتُمثّل بوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أحد أخطر مسارات التهديد وأكثرها أهمية. فهذه الأنظمة صُمّمت لتكون سريعة الاستجابة، وداعمة للمستخدم، وقادرة على بناء تفاعل عاطفي معه، وهو ما يجعل استغلالها ممكنًا لبناء الثقة مع الأفراد الهشّين، وتمرير السرديات المُتطرّفة عبر التفاعل الحواري، والعمل على نطاق يفوق بكثير قدرة أي مُجنّد بشري. وتُظهر الحالات التي تتناولها هذه الدراسة — من روبوت «تاي» التابع لمايكروسوفت إلى دور تطبيق «ريبليكا» في مخطط الهجوم على قلعة وندسور — كيف يمكن لأنظمة بوتات المحادثة، عندما تفتقر إلى الضوابط الكافية أو تُسخَّر عمدًا، أن تُعزّز التفكير الوهمي، وتُضفي مشروعية أخلاقية على العنف، وتدفع الأفراد تدريجيًا إلى تبنّي أيديولوجيات خطيرة. ويُفاقم «تأثير إليزا» هذه المخاطر بدرجة كبيرة، وهو الميل الذي يدفع المستخدمين إلى إضفاء صفات إنسانية مثل التعاطف والنية الواعية على الآلات والأنظمة الرقمية.

كما يُحدث الذكاء الاصطناعي التوليدي وأنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي المُستقلة تحولًا جذريًا في إنتاج الدعاية المُتطرّفة. فالمحتوى الذي كان يتطلّب في السابق فرقًا إعلامية مُتخصّصة، وقدرات خاصة للترجمة، ومهارات تصميم احترافية، بات اليوم في متناول فرد واحد يمكنه إنتاجه خلال ساعات قليلة. وقد أصبحت تقنيات التزييف العميق، ومقدمو الأخبار المصطنعون بالذكاء الاصطناعي، والملصقات المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، وأدوات الترجمة الآلية، قيد الاستخدام الفعلي من قبل تنظيمات إرهابية مثل «داعش» وفروعه. ونتيجة لذلك، تتشكّل بيئة دعائية تتسم بالسرعة والانتشار الواسع والمصداقية الظاهرية، في وقت تتجاوز فيه السرديات الزائفة قدرة المنصات الإعلامية والصحفيين والسلطات على الاستجابة والمواجهة.

أما منصات الألعاب الإلكترونية، فتُمثّل جبهة متنامية لا تزال تحظى بقدر محدود من الدراسة والاهتمام. فباعتبارها مساحات اجتماعية تفاعلية وغامرة تتكوّن فيها الهويات والعلاقات المجتمعية، فإنها توفّر بيئة مناسبة لعمليات الاستدراج الأيديولوجي التدريجي، بما تتضمنه من خصوصية، وتفاعل عاطفي، وثقة بين الأقران. ويُضاعف الذكاء الاصطناعي هذه المخاطر من خلال تمكين الحسابات الآلية من التفاعل بصورة طبيعية مع اللاعبين على مدى زمني طويل، فضلًا عن تشغيل أنظمة توصية قادرة على دفع المستخدمين تدريجيًا نحو محتوى أكثر تطرُّفًا.

وفي المقابل، بدأت الأطر التنظيمية والرقابية في مواكبة هذه التحديات، وإن كان ذلك بصورة غير متوازنة. فالتشريعات مثل «قانون الأضرار عبر الإنترنت» في المملكة المتحدة و«قانون الخدمات الرقمية» في الاتحاد الأوروبي تُمثّل خطوات مهمة، لكنها لا تزال تُركّز أساسًا على المنصات الكبرى، بينما تبقى المساحات اللامركزية والمنصات الأصغر خارج نطاق المعالجة الكافية. ولذلك، فإن الاستجابة الفاعلة تتطلّب اعتماد آليات واضحة لتصنيف البوتات على مستوى المنصات كافة، وتعزيز شفافية خوارزميات المنصات، وتطوير قدرات الرصد والكشف، إلى جانب الاستثمار المستدام في رفع مستوى الوعي الرقمي.

وتتمثل الحجة المركزية لهذه الدراسة في حقيقة واضحة ومباشرة: لم يعد السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم لأغراض مُتطرّفة، بل إلى أي مدى سيُسمح لهذه الاستخدامات بأن تتطوّر وتتوسع قبل وضع تدابير مضادة فعّالة وقادرة على المواجهة موضع التنفيذ.

الوقت المقدر لقراءة التقرير 25 دقيقة
قم بتنزيل التقريرdownload-symbol
20.05.2026

قم بتنزيل الورقة البحثية

التطرُّف في عصر الذكاء الاصطناعي:

آفاقٌ جديدةٌ للاستقطاب الراديكالي

arrow-symbol قم بالتنزيل
النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابقوا على اطّلاع دائم بآخر الأبحاث والمنشورات

    هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA و تنطبق سياسة الخصوصية و شروط الخدمة من Google.