تقارير مُتخصِّصة

عودة التطرُّف: القوى الخفية التي تشعل حرب السودان

الوقت المقدر لقراءة التقرير 37 دقيقة
قم بتنزيل التقريرdownload-symbol
10.04.2025

المقدمة

أفضى اندلاع الحرب الأهلية السودانية في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى خلق فراغٍ أمنيٍّ أفسح المجال لعودة ظهور شبكاتٍ وخلايا إسلامويّةٍ نائمة، ولا سيما تلك التي تتبنى العنف. وبينما انصب الاهتمام الدولي على المواجهة العسكرية المباشرة بين قوات الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات محمد حمدان دقلو (المعروف بـ«حميدتي»)، كانت رحى معركة موازية تدور في الخفاء: صراعٌ محتدمٌ على النفوذ الأيديولوجي والتجنيد وبسط السيطرة الميدانية بين حركاتٍ مُتطرّفةٍ خاملةٍ أعادت تنظيم صفوفها داخل السودان.

يقدّم هذا التقرير تقييمًا وافيًا للتشكيلات المُتطرّفة التي ظهرت أو أعادت تنظيم صفوفها في السودان خلال حرب 2023 وفي أعقابها. كما يحدّد الكتائب المسلحة الرئيسة ذات التوجُّهات الراديكالية والمُتطرّفة وارتباطاتها العملياتية – سواء كانت موالية للقوات المسلحة السودانية أم لقوات الدعم السريع – ويدرس تركيبتها وانتماءاتها القَبَلية والإِثنية. كما يناقش التقرير أيّ ارتباطات محتملة عابرةٍ للحدود، لا سيما مع تنظيمات إرهابية عالمية وعابرة للحدود مثل «بوكو حرام» أو تنظيم «داعش» في غرب إفريقيا.

وعلاوةً على ذلك، يُبرز التقرير الشخصيات البارزة داخل هذه الشبكات الإسلاموية، موضّحًا خلفياتها ومواقفها الأيديولوجية وأدوارها في ساحات القتال وبياناتها العلنية مُؤخرًا. ويستند التحليل إلى معلوماتٍ استخباريةٍ مفتوحة المصدر وآليات التحقّق الإعلامي من مصادر إعلامية مُتعدّدة. وعند الإمكان، يتضمّن أدلة موثّقة من منصات التواصل الاجتماعي وتصريحات رسمية للقيادات، فضلًا عن رصد وتحليل الديناميات القبلية المحلية التي تؤثر في عمليات التجنيد وتشكيل الولاءات.

ومن خلال وضع هذه العناصر والجهات الفاعلة في سياق المشهدين الجيوسياسي والأمني الأوسع في المنطقة – بما يشمل منطقة الساحل وشمال إفريقيا والقرن الإفريقي – يسعى التقرير إلى توضيح مدى خطر تحوّل السودان مُجددًا إلى بؤرة تجمُّع للحركات المُتطرّفة في إفريقيا.

أولًا :

السياق المعلوماتي: فهم الجذور التاريخية

1. تعود جذور الإسلاموية السودانية إلى نشأة الدولة السودانية الحديثة نفسها. 

بدأت مع ظهور جماعة الإخوان المسلمين في خمسينيات القرن الماضي. وقد سوّغت الحركة وجودها السياسي باعتبارها خصمًا أيديولوجيًا للنفوذ المتزايد للحركات اليسارية والماركسية-الشيوعية، وسعت في الوقت ذاته إلى تقويض مكوّنات النسيج الديني التقليدي للسودان—خاصة روحانيته المبنية على التصوّف. كما أسّست الحركة شرعيتها السياسية بادعاء الفضل في الإسهام في ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بالرئيس إبراهيم عبود.  ومضى جناحها البراغماتي إلى تشكيل جبهة سياسية جديدة تحت مسمى «جبهة الميثاق الإسلامي»، التي نادت بوضع دستور إسلامي. ونجح زعيم هذه الجبهة في الفوز بمقعد برلماني، مُتخذًا منه منبرًا لتحويل مسار الخطاب السياسي الوطني نحو سجالات فكرية فلسفية وأيديولوجية.

2. خاضت الحركة الإسلاموية السودانية أولى تجاربها المسلحة عام 1976، 

حين شنّت تمرُّدًا ضد الرئيس جعفر نميري. وقد اعتمدت هذه العملية على جيل من الإسلامويين ذوي الخلفيات العسكرية داخل الحركة—مثل أحمد عبد الرحمن وغازي صلاح الدين العتباني—الذين نسّقوا مع ما كان يُعرف آنذاك بالجبهة الوطنية، وهو تحالف ضم حزب الأمة والشريف الهندي، لشن غزو على السودان انطلاقًا من الأراضي الليبية بهدف الإطاحة بنظام نميري. وبعد فشل العملية، أدرك الإسلامويون الضرورة الاستراتيجية لاختراق القوات المسلحة السودانية. غير أن مساعيهم مُنيت بالفشل إلى حد كبير – باستثناء تورط غير مباشر لبعض الضباط البعثيين وعدد قليل من الفاعلين البراغماتيين داخل المؤسسة العسكرية. وقد تجدّدت شهية الإسلامويون السودانيون للسُلطة واستمدّوا حماسًا إضافيًا من نجاح الثورة الإيرانية ومن صعود آية الله الخميني للحكم في إيران عام 1979؛ فشرعوا في صياغة أطر أيديولوجية ذات نزعة شعبوية ووضعوا مسودات لخطط اقتصادية أولية لإدارة الدولة.

3. مساعي الاحتواء خلال عهد نميري: 

سعت الحركة الإسلاموية السودانية، خلال حقبة حكم نميري، إلى استثمار الزخم الشعبي للمعارضة الواسعة ودخول الحكومة من خلال مصالحة براغماتية مع النظام. وقد استغلت الميول الدينية المتزايدة لدى نميري والسياسة الأمريكية الناشئة آنذاك التي رأت في الحركات الإسلاموية أدوات جيوسياسية يمكن توظيفها في سياق الحرب الباردة. كما شهدت هذه الفترة  توطيد الإسلاموية السودانية لصلاتها بالشبكة الإسلاموية العالمية، مما ربط النشطاء الفاعلين المحليين بدوائر التطرّف العابرة للحدود – بدءًا من التعبئة للمشاكة في حرب أفغانستان وصولًا إلى عقد لقاءات مع رؤساء دول في الولايات المتحدة.

4. الدخول إلى الحكومة والطريق نحو اختراق المؤسسة العسكرية: 

لعبت فرصة المشاركة في الحكومة، التي سنحت بعد مصالحة نميري مع جماعة الإخوان المسلمين عام 1977، دورًا محوريًا في تمكين الإسلامويين من إقامة علاقات وروابط مبكرة مع القوات المسلحة السودانية. وشمل ذلك التواصل مع وزير الدفاع آنذاك، المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وكذلك مع ثُلّة من الضباط – كان أبرزهم العقيد عمر البشير، الذي سينجح لاحقًا في الإطاحة بالحكومة المُنتخبة ديمقراطيًا بقيادة أحمد الميرغني والصادق المهدي. 

ثم غدرت «الجبهة الإسلامية القومية» بشركائها في التحالف ودبّرت انقلابًا عسكريًا شاملاً عام 1989، مستغلةً التحوّلات الدولية التي أعقبت هزيمة السوفييت في أفغانستان وسقوط جدار برلين. واستولى الإسلامويون على السلطة في السودان آملين أن يتمكنوا من أداء دورٍ وظيفيٍّ في هذا النظام الدولي الجديد.

5. مقاومة الجيش لاختراق الإسلامويين قبل 1989 

حتى وقوع انقلاب 1989، ظلّت المؤسسة العسكرية السودانية محافظةً على موقفٍ صارمٍ ضد تغلغل الإسلامويين. وقدّم ضباطها مرارًا مذكراتٍ رسميةٍ رافضةً تعيين عناصر الإسلامويين في مناصب عليا وحذّروا من هيمنةٍ أيديولوجيةٍ على الجيش. في المقابل، حافظ الإسلاميون على سردية مضادة تفيد بأن رفض الجيش لهم ناجم عن ولائه لمصر والولايات المتحدة، مصوّرين أنفسهم «قوى وطنية مستبعَدة» في مواجهة مؤسسةٍ تابعةٍ لأجنداتٍ خارجية. وقد أدّى إعلان «قانون تطبيق الشريعة» عام 1983، جزئيًا، إلى تمكين فكرة الحكم والقانون الديني في الخطاب العسكري، مما هيأ الظروف لظهور شريحة من الضباط ذوي الميول الإسلاموية. 

6. ترسيخ جناح إسلاموي داخل الجيش: 

ما إن استولى عمر البشير على السلطة عام 1989 حتى سارع إلى تشكيل جناحٍ إسلامويٍّ داخل القوات المسلحة. كما اضطر إلى تصفية العديد من الضباط المعارضين له في الأيديولوجية أو رافضين لحكمه— لا سيما البعثيين واليساريين والضباط التكنوقراط. وتصاعدت وتيرة هذا الوضع وبلغت ذروتها بعد إعدام الضباط المتورطين في محاولة «محاولة انقلاب رمضان» في أبريل 1990، وهي حملة تصفية حرمت الجيش من نخبة من الكوادر المحترفة المُدرّبة تدريبًا عاليًا من مختلف الوحدات. وأُحيل كثيرون آخرون للتقاعد القسري تحت ذريعة سياسة «الصالح العام». ولم ينجُ سوى حلفاء البشير والموالين له والمنشقين والضباط المعارين أو أولئك الذين التحقوا بقوات المعارضة بقيادة الجنرال خليل أحمد علي.

7. تسييس التجنيد العسكري وتآكل المهنيّة: 

ابتداءً من عام 1991 فصاعدًا، تعرضت النزاهة المهنية للقوات المسلحة لتهديد أعمق حين فرض النظام الإسلاموي إجراءات فرز وتدقيق أيديولوجية للقبول في الكلية الحربية. إذ بات يُشترط على المتقدمين الحصول على تزكيات من الحزب الإسلاموي الحاكم أو الشبكات المرتبطة به. وقد مكّنت هذه العملية الحركة الإسلاموية من ضمان ولاء جيل من الضباط ذوي الرتب الأوسط والأدنى. ومع مرور الوقت، ولّد ذلك نقمة وشعور متناميًا بالاستياء المهني في صفوف العسكريين غير الإسلامويين – وإن لم يتبلور فورًا في شكل مقاومة منظمة حينها. 

8. الأجهزة الأمنية الموازية وإعادة تشكيل و«أسلمة» العقيدة العسكرية: 

على الرغم من نفوذهم المتزايد، لم يثق الإسلامويون يومًا ثقة كاملة بالمؤسسة العسكرية. ونتيجة لذلك، حاولوا إعادة تشكيل عقيدته عبر حقن الأيديولوجيا الدينية في مبادئها العملياتية – وهو مشروع لم يُكلل إلا بنجاح جزئي. وإثر إخفاقهم في «أسلمة» القوات المُسلّحة بالكامل، عمد النظام إلى تأسيس مؤسّسات أمنية موازية، وقوات رديفة، وهياكل تعبئة على مستوى البلاد. وكان من أبرز هذه الهياكل «قوات الدفاع الشعبي»، التي عملت كجناح مسلح شبه رسمي للمشروع الإسلاموي، وضمت تشكيلات «المجاهدين» و«الدبابين» التي تلقّت تلقينًا دينيًا وتدريبًا مُتطرّفًا. وفي مرحلةٍ تالية، أسس البشير قوات الدعم السريع كقوةٍ شبه عسكريةٍ تخضع مباشرة للرئاسة وتعمل خارج نطاق التسلسل الهرمي للجيش. 

9. الإسلاموية العابرة للحدود وتخريب الأمن الإقليمي (1991): 

بلغت طموحات الإسلامويين السودانيين في مشروع الإسلاموية العابرة للحدود مداها سنة 1991 حين اعتقدوا أنهم أحكموا السيطرة على مؤسّسات الدولة بما يمكّنهم من إعادة تشكيل أنظمةٍ إقليميةٍ في الجوار. وقد رأوا في أنفسهم القدرة على التأثير في تغيير النظام في إثيوبيا، حيث كانت جبهة تحرير شعب تيغراي—المهيمنة آنذاك—تُعتبر حليفًا مُقربًا، وكان يُنظر إلى إسياس أفورقي في إريتريا على أنه متعاطف أيديولوجيًا.

ومع تصاعد التوترات بين السودان والدول المجاورة، ظهرت فصيل مُتطرّف داخل هيكل العلاقات الخارجية للنظام، تبن نهجاً إرهابيًا بحتًا في التعامل الإقليمي، مستغلًا الشبكات الإسلاموية في الدول المجاورة لاستهداف قياداتها. أدى ذلك إلى دعم السودان المباشر للجهات المُتطرفة في أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (المعروفة آنذاك باسم زائير) ومصر.

عمل المسؤولون الإسلامويون السودانيون بتنسيق وثيق مع نظرائهم في هذه البلدان، خاصة في أوغندا، حيث ظهرت مجموعتان راديكاليتان محليتان:

  1. قوات التحالف الديمقراطي، بقيادة جميل موكولو، بهدف تحويل أوغندا إلى دولة إسلامية.
  2. الجيش الوطني الأوغندي لتحرير أوغندا، وهو تشكيل أصغر وأكثر تفكُّكًا.

وفي حين بدأت هذه المجموعات كحركات معارضة سياسية مدفوعة بمظالم ضد الرئيس يوري موسيفيني، لكن بعد ذلك اختطفتها أيديولوجيات مُتطرّفة، بمساعدة دعم مالي ولوجستي من السودان والكونغو. وقد أدى انهيار الرؤية الديمقراطية إلى بقاء أسماء هذه المجموعات فقط، بينما ملأت تلك العقيدة المُتطرّفة الفراغ الأيديولوجي. 

10. السودان ملاذًا آمنًا لقادة التطرُّف العالمي 

خلال تلك الفترة نفسها، استضاف النظام الإسلاموي في السودان مجموعة من قادة التطرّف العالمي وشخصيات مُدانة في قضايا إرهابية، من بينهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وعمر عبد الرحمن.

فغدت الخرطوم ملاذًا آمنًا مقرًّا لوجستيًا للتخطيط العملياتي والتنسيق الدولي، واستُخدمت الأراضي السودانية كمحطة انطلاق لمختلف المؤامرات الإرهابية خلال هذه الفترة، ما شكّل عبئًا متزايدًا على نظام عمر البشير، وهذا العبء لم يمر دون ملاحظة أو معارضة من بعض فصائل المؤسسة العسكرية.

11. السُخط العسكري وتهميش دور القوات المسلحة 

رغم أن الجيش تمكن من تحقيق انتصارات جزئية في جنوب السودان خلال الحرب الأهلية، فإن تلك المكاسب تحققت فقط من خلال الجهود المشتركة لمقاتلي قوات الدفاع الشعبي والمجندين عبر برنامج الخدمة الوطنية. مع ذلك، نسب النظام الإسلاموي هذه الانتصارات حصريًا لميليشياته الموالية؛ إذ مجّدت الحملات الإعلامية الحكومية—خاصة برنامج  «ساحات الفداء» التلفزيوني—المقاتلين الإسلامويين الذين قُتلوا في المعارك، بينما تجاهلت إلى حد كبير تضحيات جنود القوات المسلحة النظاميين. وقد خلق هذا شعورًا متناميًا بالسُخط والتهميش والاستياء داخل صفوف ضباط الجيش، ما أدى إلى ضغط هادئ لكن متصاعد على البشير من داخل هيئة الضباط.

12. الخلاف والشقاق بين البشير والترابي: تداعياته الأمنية والاستراتيجية

أدى الخلاف والانقسام الداخلي بين المُكوّن العسكري بقيادة عمر البشير والجناح الإسلاموي بقيادة حسن الترابي عام 1998 إلى تفكُّك الحركة الإسلاموية السودانية وانقسامها إلى فصيلين رئيسيين: «حزب المؤتمر الوطني» و«حزب المؤتمر الشعبي». لكن بعيدًا عن الاختلاف السياسي، تسبّب الانقسام في سلسلة تحوّلات أمنية وهيكلية عميقة، من أبرزها:

أ) تطهير داخلي وخلق طبقة عسكرية-سياسية موالية

ازداد قلق البشير وحذره من الإسلامويين الموالين للترابي داخل القوات المسلحة النظامية وسعى لتحييدهم أو طردهم لمنع خطر الانقلاب. فقد شرع في تسريح الضباط وعناصر المخابرات الموالين للترابي أو تهميشهم أو إحالتهم للتقاعد بشكل منهجي. وفي محل هؤلاء، زرع طبقة جديدة من الموالين داخل القطاع الأمني، عُرفت بشكل غير رسمي باسم «حزب الجيش»—حتى لو كان لبعض أعضائها ذوي خلفيات إسلاموية، فقد كان ولاؤهم الأساسي للبشير شخصيًا. 

علاوة على ذلك، سعى البشير إلى تطوير جهاز الأمن والمخابرات الوطني وتقويته لدرجة ملاحقة وإقصاء الإسلامويين المؤيدين للترابي، بما في ذلك اعتقال حسن الترابي نفسه.

ب) التجميد الاستراتيجي للجبهة الجنوبية

في إطار تقليص نفوذ قوات الدفاع الشعبي وجهازه التعبوي، اندفع البشير نحو إيقاف الحرب في جنوب السودان، ما تُوّج بتوقيع اتفاقية السلام الشامل مع جون قرنق. ولم يكن هدف البشير من ذلك إنهاء الحرب فقط، بل تجفيف المنابع الأيديولوجية والتعبوية التي استندت إليها الحركات الإسلاموية في الجنوب سنواتٍ طويلة.

ج) تعبئة الترابي المضادة في دارفور

على النقيض، وجّه الترابي دفة العمل المسلّح والعنيف نحو جبهة جديدة، ألا وهي دارفور. وقد استغل قضايا التهميش والظلم الذي تعانيه مناطق الأطراف البعيدة مقارنة بالمنطقة المركزية، وحرّض أتباعه في دارفور على نشر خطاب يصوّر مركز السلطة والسياسة في الخرطوم بأنه يضطهد أهل دارفور بشكل منهجي ويستبدّ بقبائل الإقليم.

وقد أنتج هذا السرد مخرجات أيديولوجية مثل «الكتاب الأسود» وشعارات «مثلث حمدي»، وكلها تبلورت في أوساط الإسلامويين من دارفور قبل أن تتبنّاها لاحقًا مجموعات يسارية. وتشكّل بذلك تحالفٌ بين اليسار واليمين في تعبئة مناهضة للمركز داخل دارفور. وانتهج الترابي أيضًا خطابات ذات حمولة عِرقية، مُلمّحًا إلى أنّ القبائل العربية في وادي النيل تمارس نوعًا من الهيمنة والتفوّق السياسي على القبائل الإفريقية السوداء في دارفور. ومن هنا، كان يُنظر إلى حركة العدل والمساواة بأنها الجناح المُسلّح لحزب المؤتمر الشعبي.

د) قوات الدعم السريع كثقل موازن لمتمردي دارفور الإسلامويين

وردًا على ذلك، لجأ عمر البشير إلى المكوّنات القبلية التي تكوّنت منها لاحقًا قوات الدعم السريع، وزجّ بها ضد القبائل المتمرّدة في دارفور والمقرَّبة من خطاب الترابي الذي بات يحظى بدعم شريحة أوسع من أهل دارفور. 

عسكريًا، مُني الترابي بالهزيمة، غير أنه نجح سياسيًا في الزجّ بالبشير في مواجهة مع المحكمة الجنائية الدولية، ما بدّد مكاسب البشير السياسية بعد توقيع اتفاق السلام مع جون قرنق.

هـ) إعادة الاندماج الإقليمي وصفقة مكافحة الإرهاب

وفي إثر هذه المواجهة الإسلاموية الداخلية، سعى البشير لاستعادة العلاقات الدبلوماسية مع دول الجوار. وفي سبيل استعادة العلاقات، عرض تسليم بعض الإرهابيين المطلوبين، بعضهم كان يتمتع سابقًا بحماية الدولة.

يمكن فهم هذا التحوّل في إطار إعادة الاصطفاف الجيوسياسي؛ إذ بدأ المناخ الدولي الذي كان داعمًا للحركات الإسلاموية المسلحة بالانهيار. تزامن هذا التوجُّه مع فترة السلام بين الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، ومع احتدام «الحرب على الإرهاب» دوليًا. وفي ظل هذا السياق الجديد، كُوفئت الدول التي أثبتت قدرتها على التعاون في مكافحة الإرهاب بتعزيز شرعيتها ونفوذها الدبلوماسي.

13. ضغوط ما بعد الانفصال والمقامرة الأمنية الأخيرة للبشير

أدى انفصال جنوب السودان عام 2011 وتجدُّد الصراع في المناطق الحدودية إلى أزمة سياسية واقتصادية خانقة في السودان. وبعد ما يقرب من عقدين من الولاء للبشير، بدأت شريحة متنامية من الحركة الإسلامية استكشاف خيارات لاستبداله، وقدمت بديلًا مدنيًا للحكم العسكري-الإسلاموي السلطوي. لكن البشير نجح في استغلال الانقسامات الداخلية داخل الحركة، وأذكى الخلافات بينها وأحبط أي محاولة مُنظّمة للإطاحة به.

ومع تزايد الاضطرابات، وجّه البشير اهتمامه وتركيزه نحو تعزيز قدرات القوات المسلحة وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية الوطنية بحيث لا تتمكّن أي جهة من الانفراد بقرار أمني دون الرجوع إليه مباشرة. وفي داخل القوات المُسلّحة، عزّز سلاح الطيران والاستخبارات العسكرية، وفي الوقت ذاته قلّص نفوذ قوات الدفاع الشعبي وحوّلها إلى قوة احتياطية تعاني من الفساد، مما جردها من مصداقيتها الروحية والأيديولوجية السابقة.

في الوقت نفسه، سعى البشير لمأسسة قوات الدعم السريع ضمن إطار هجين يشبه «وحدة حرس وطني» مُصمَّمة لقمع التمرد الداخلي وتأمين الحدود. وقد ربط قوات الدعم السريع بتفاهمات مع أطراف أوروبية (في سياق «عملية الخرطوم» المدعومة من الاتحاد الأوروبي لمراقبة الهجرة)، أملًا في تحويلها إلى شركة أمنية شبه خاصة تضطلع بإدارة تدفق المهاجرين والمراقبة الحدودية. إضافةً إلى ذلك، سمح لجهاز الأمن والمخابرات الوطني بإنشاء «هيئة العمليات» وتلقّي تدريبات نوعية لتشكيل وحدات نخبوية.

كما استحدث البشير منظومة ترفع تقاريرها إليه مباشرة، ساعيًا لجعل نفسه الضامن الوحيد للتوازن الاستراتيجي بين الأجنحة المتنافسة، لكنه فشل  فشل في النهاية في نزع الطابع السياسي عن تلك القوى الأمنية. وفي نهاية المطاف، كان التوافق المشترك بين هذه القوى على اختلاف مؤسساتها ومرجعياتها الأيديولوجية، هو الذي دفع إلى سقوطه في أبريل 2019.

14. التحركات الأخيرة قبل السقوط: فبراير 2019

قبل شهرين من سقوطه في فبراير 2019، أصدر البشير إعلانًا رسميًا يُحدد الدور المستقبلي للقوات المُسلّحة وجهاز الأمن والمخابرات والدعم السريع في «حماية السيادة الوطنية»، ثم عيّن حكام الولايات حصريًا من داخل هذه الأجهزة الأمنية، مشيرًا إلى نيته عسكرة الحكم المحلي القبلي لمواجهة  الاحتجاجات المتصاعدة.

15. الاستقطاب بعد الانقلاب: ثنائية مدنية-عسكرية

بعد أن أطاحت الانتفاضة الشعبية بالبشير في أبريل 2019، شهدت البلاد واقعًا سياسيًا جديدًا اتّسم باستقطاب حاد وانقسام عميق بين كتلتين:

١) كتلة عسكرية تضم القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.

٢) كتلة مدنية بقيادة «قوى الحرية والتغيير» (قحت)، التي سارعت إلى احتكار صفة «المدنية» وتقديم نفسها كممثل شرعي وحيد للتطلُّعات المدنية.

16. استمرارية البيروقراطية الإسلاموية تحت المجلس العسكري الانتقالي

افتقر المجلس العسكري الانتقالي إلى قاعدة شعبية راسخة، فعمد إلى تعيين شخصياتٍ تُعرف بانتمائها السابق للحركة الإسلاموية، إمّا عن غير قصد أو بقرارٍ مدروس. وقيل إن البعض داخل المجلس اعتقد أن إطاحة البشير نظّمها الإسلامويون أنفسهم كانتقام منه لخيانته للحركة الإسلاموية.

حدث هذا في وقت فقد فيه المجلس السيطرة على جهاز الأمن والمخابرات الوطني، الذي كان يعمل طويلاً باعتباره العقل السياسي للنظام. مع افتقاره لبديل عملي على أرض الواقع، توجّه المجلس إلى توجُّهين سياسيين مألوفين:

أ) عناصر مدنية جديدة حديثة الظهور 

ب) الإسلامويون، الذين  باتوا يُصوَّرون في دور خصوم قدامى مُنحوا فرصة جديدة

17. احتواء العسكريين وتوظيفهم التكتيكي للإسلامويين

حتى بعد توقيع اتفاقية تقاسم السلطة مع «قحت» في عام 2019، واصل المكوّن العسكري في الحكومة الانتقالية بحثه عن حاضنة سياسية مدنية ذات تأثير في الشارع. 

ولتحقيق هذه الغاية، تبنى استراتيجية للتلاعب و احتواء وتطويع أطراف إسلاموية، معتمدًا على فصائل متعدّدة من بقايا الإخوان المسلمين. وتعزّزت جهود العسكريين في هذا الاتجاه بوجود إسلامويين بارزين مثل:

  1. غازي صلاح الدين العتباني
  2. محمد علي الجزولي

فقد شارك كلاهما مبكرًا في إسقاط البشير، واعتقدا أنّ بإمكانهما المساهمة في بناء نظام سياسي جديد بالتعاون مع الحركات نفسها التي ساهمت في تغيير النظام — وجادلوا بأنهم يمتلكون العمق الأيديولوجي والفكري والمهارات البلاغية لصياغة سردية سياسية فعالة.

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن اتفاقية تقاسم السلطة تركت العديد من القضايا الحرجة دون حل وخاضعة لمزيد من التفاوض—مثل رئاسة مجلس السيادة، وجدولة الانتخابات الوطنية، والدور المستقبلي للجيش والدعم السريع.

خلق هذا الغموض مساحة لمزيد من المناورات والمساومات السياسية، وتفتتت الكتلة المدنية نفسها، مع اصطفاف بعض الأطراف الفاعلة —بشكل مباشر أو غير مباشر— مع المؤسسات العسكرية نفسها التي عارضوها سابقًا.

18. الانقسام داخل مجلس السيادة وإعادة الاستقطاب والاصطفاف العِرقي

مع تصاعد الخلاف والتوترات بين رئيس مجلس السيادة ونائبه، أعادت الحركة الإسلاموية تموضعها كوسيط سياسي، عارضة خدماتها وتحالفها على الطرفين. وتحوّلت المنافسة إلى صراع اتّخذ أبعادًا عِرقية وجغرافية؛حيث مالت الفصائل الشمالية نحو القوات المسلحة واتجّهت المجموعات الغربية (من دارفور) لصف قوات الدعم السريع، مما فتح بابًا لانقسام وتفكُّك جديد وفق الاعتبارات الإقليمية والقَبَلية.

19. عودة «علي كرتي» وإعادة ظهور الخطاب الإسلاموي العلني

تحت ذريعة «توسيع قاعدة المشاركة السياسية»، عاد علي كرتي—وزير الخارجية السابق والأمين العام المكلف للحركة الإسلامية السودانية—إلى العلن، بعدما كان مختفيًا منذ سقوط البشير. وقد ظهر على قناة «طيبة» الفضائية المملوكة للداعية الإسلاموي المعروف عبد الحي يوسف، الذي كان قد هرب بدوره إلى تركيا. وقد أُجريت المقابلة علنًا في الخرطوم، تحت أنظار أجهزة الأمن السوداني، مما يشير إلى تحول في موقف الدولة تجاه الخطاب الإسلاموي العلني.

20. تأييد علني لعودة الإسلامويين من قادة «فصيل القصر»

تبعت انهيار ترتيبات العملية الانتقالية موجة من التصريحات العلنية، أبرزها من جبريل إبراهيم، وزير المالية الحالي، وميني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور.

كلا القائدين، المرتبطين بما يسمى «فصيل القصر»، دعما علنًا إعادة دمج الأطراف الإسلاموية الفاعلة في المشهد السياسي السوداني—بشرط ضمان مواقعهما داخل نظام الحكم.

21. الانقسام والتفكُّك داخل الحركات الإسلاموية

اتّسمت هذه المرحلة أيضًا بتفكُّك عميق داخل المنظومة الإسلاموية نفسها، والتي شملت:

  1. الحركة الإسلامية
  2. حزب المؤتمر الوطني
  3. حزب المؤتمر الشعبي

تفرعت كل من هذه المنظمات إلى كتل فرعية متعددة بناءً على متغيرات متغيرة مثل الاصطفافات والتكتُّلات العِرقية، والمواقف تجاه الإصلاحات السياسية، والانقسامات بسبب تمايز الأجيال، وولاءات لشخصيات تاريخية رئيسية مثل حسن الترابي ونافع علي نافع وعلي عثمان طه.

هذه الديناميات الداخلية أضعفت قدرة الإسلامويين على تقديم جبهة موحدة، لكنها خلقت مساحة في الوقت نفسه للمناورة بين الفصائل وإعادة الاصطفاف.

22. تطوير الخطاب الديني الشعبوي وصعود التيار الإسلاموي العريض

في ظل محاولات القوى الإسلاموية لإعادة تنظيم صفوفها، بدأت في توظيف مواضيع «خلافية» تشغل الرأي العام، مثل: الجدل حول إصلاح المناهج الدراسية، والنقاشات حول الاتفاقيات الدولية، وتراكم الإخفاقات السياسية للحكومة الانتقالية.

وظّف الإسلامويون هذه القضايا لإعادة إدخال فهمهم المتطرف للهوية الدينية في النقاش السياسي بطريقة شعبوية، ورفعوا شعار أنّهم الوحيدون القادرون على «حماية القيم والمبادئ والهوية الإسلامية» في السودان. ولقي هذا الخطاب «استحسانًا ضمنيًا» من كلٍ من رئيس مجلس السيادة ونائبه في ذلك الوقت.

وقد نشأ عن هذا الحِراك تحالف «التيار الإسلاموي العريض»، المؤلف من نحو 10 كيانات ومنصات إسلاموية، من بينها الحركة الإسلامية السودانية، وحركة الإصلاح الآن، والإخوان المسلمون – «فصيل عوض الله حسين»، ومنبر السلام العادل، وحزب دولة القانون والتنمية، وحركة المستقبل للإصلاح والتنمية.

جدير بالملاحظة أن حزب المؤتمر الشعبي لم يوقع على وثيقة التحالف؛ إذ سعى إلى اصطفاف منفصل مع المؤسسة العسكرية، مبتعدًا عن التحالف الإسلاموي الأوسع نطاقًا لسببين رئيسيين؛ أولهما أن اعتبر الحزب نفسه الوريث الشرعي لإرث الترابي، والثاني أن الحزب كان منقسمًا داخليًا، فقد عارض الأمين العام علي الحاج مواقف بعض أجنحة الحزب الأخرى 

الكيانات الإسلاموية وأبرز قياداتها في السودان

الحزب أو الحركةأبرز القيادات
حزب المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم السابق، لم يشارك في مؤتمر التيار العريض)إبراهيم غندور (رئيس)، أمين حسن عُمر (الأمين العام)، علي كرتي (قائد العمليات الخاصة للإخوان في السودان)، أمين حسن عُمر، عوض ابن عوف، محمد الطاهر، عبد الحي يوسف (مرشح وزاري)، أحمد المفضّل، عادل محجوب
حركة الإصلاح الآن (انشقت سابقًا عن المؤتمر الوطني)غازي صلاح الدين (رئيس)، جعفر الصادق (نائب)، عثمان رزق، د. محمد عبد الكريم، حسن رزق، خالد نوري (انشق عنها)، سامي عبد الوهاب، ناجي إمام (منسق شؤون الطلبة)
حركة العدل والمساواةجبريل إبراهيم (وزير المالية الحالي، من قبيلة الزغاوة في دارفور)، حامد يحيى (انشق مؤخرًا)، عبد الرحمن سالم فضل
حزب دولة القانون والتنمية (انشق سابقًا عن المؤتمر الوطني)محمد علي الجزولي (رئيس)، عقيل نعيم الفادني (أمين عام)، البُشرى محمد عثمان، د. إقبال أحمد أبو دوم، حبيب حاتم حامد بدوي
حركة المستقبل للإصلاح (انشقت سابقًا عن المؤتمر الوطني)د. ناجي مصطفى (رئيس)، هويدا بابكر (نائب)، عبد الواحد يوسف، هاني أحمد تاج السر، قُصي محجوب، صفية يحيى
منبر السلام العادل (انشق سابقًا عن المؤتمر الوطني)محمد أبو زيد كروم (الأمين العام)
تحالف العدالة الوطني (انشق سابقًا عن المؤتمر الوطني)التجاني السيسي (رئيس)، أحمد فضل، بحر إدريس
تيار النهضة (تيار إسلاموي بديل عن المؤتمر الوطني)محمد المجذوب (رئيس)، هشام بابكر (نائب)، فتح العليم عبد الحي
مبادرة وحدة الصف (تيار إسلاموي اختار الحياد)هاشم محمد الشيخ، د. إبراهيم البخاري
حزب المؤتمر الشعبي (جناح علي الحاج، لم ينضم للتيار العريض)علي الحاج آدم (الأمين السياسي)، كمال عمر
جماعة الإخوان المسلمينعوض الله حسن سيد أحمد (القائد)، حسن عبد الحميد (نائب)، الحبر يوسف نور الدائم

وقد أحاط قائد قوات الدعم السريع نفسه بمجموعة من المستشارين كانوا على صلة سابقة بحكومة الجبهة الإسلامية القومية، وينحدر كثيرٌ منهم من خلفيات سياسية مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين السودانية، من بينهم شخصيات إسلاموية متشددة مثل نائب الرئيس الأسبق حسبو عبد الرحمن، بالإضافة إلى قيادات قبلية نافذة.

ومع ذلك، عيّنت قوات الدعم السريع أيضًا المستشار الغامض يوسف عزّت، الذي حاول الدفع بخطاب مدني جديد يُركّز على قضايا التهميش وصياغة رؤية تحت مسمى «السودان الجديد».

اللافت أن يوسف عزّت عاد في أبريل 2025 ليُصرّح علنًا بوجود روابط بين قوات الدعم السريع والحركة الإسلاموية، مرجعًا هذه العلاقة إلى ما وصفه بـ«غياب الوعي السياسي» لدى قيادة الدعم السريع.

23. عودة التطرّف المحلي بسبب الحرب

شكّلت الحرب الأخيرة طوق نجاة للحركات الإسلاموية، إذ أتاحت لها استعادة زخم التعبئة الشعبية وتسويق سردية «الدفاع» كمدخل استراتيجي للعودة إلى التأثير في مستقبل السودان. فمع اندلاع القتال، ظهرت عدة فصائل وبدأت خوض المعارك بطريقة منظمة، وقد كان معظمها عبارة عن إحياء لمليشيات قديمة تعود إلى عهد النظام السابق، أو تفعيلٌ لشبكات عسكرية إسلاموية كانت نائمة. وفيما يلي أبرز هذه الكيانات:

أ) «لواء البراء بن مالك»


كان يُعرف سابقًا بـ«كتيبة البراء بن مالك»، لكنه رُفعت درجته إلى مرتبة «لواء» بعد أسابيع قليلة من بدء الحرب، عقب تدفّق أعداد كبيرة من المقاتلين الإسلامويين المتطوعين الذين التحقوا بالقوات المسلحة السودانية.

يتكوّن هذا اللواء من مئات العناصر الذين سبق أن خدموا في صفوف «قوات الدفاع الشعبي»، وقد أُعيد توزيعهم على وحدات سلاح المدرعات في جنوب الخرطوم. يقوده «المصباح أبو زيد»، ويتبنّى خطابًا إسلامويًا مُتشدّدًا، حيث تُنتج وحدته مواد دعائية حربية مشبعة بالأناشيد الجهادية، وكثيرًا ما تتضمن اقتباسات من سيد قطب.

ويتجاوز خطاب اللواء مفهوم «الدفاع الوطني»، إذ يستدعي رموزًا وشعارات ذات طابع إسلاموي عابر للحدود، كما يظهر ذلك جليًا في الأزياء العسكرية والشعارات والشارات التي يستخدمها قائده.

ويبدو أن القوات المسلحة السودانية تتغاضى عن الاتهامات الموجهة لهذه الوحدة بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات، وربما تفعل ذلك كجزء من سياسة ضمنية لتفادي تحمل المسؤولية المباشرة وحصر اللوم في هذه التشكيلات، حمايةً لصورة الجيش النظامي.

وقد ظهر المصباح أبو زيد في صور متداولة إلى جانب مُتشددين بارزين مثل مختار بدري والناجي عبد الله. 

ب) «كتيبة البنيان المرصوص»


تُعد من أكبر الكتائب الإسلاموية المشاركة حاليًا في النزاع المسلح. وكانت في الأصل جزءًا من «قوات الدفاع الشعبي» قبل أن تُحل رسميًا في عام 2020. أعيد تشكيلها بعد اندلاع الحرب، وتضم في صفوفها عناصر من جهاز الأمن والمخابرات الوطني السابق، خاصة أولئك الذين فقدوا مواقعهم عقب سقوط نظام البشير.

تلقّت هذه الكتيبة تدريبات متقدّمة على الأسلحة، وتنتشر حاليًا إلى جانب القوات المسلحة في عدد من القطاعات داخل نطاق العاصمة الثلاثية (الخرطوم، بحري، أم درمان). وتشير التقارير الاستخباراتية إلى أنّ صفوف الكتيبة تضم أيضًا عناصر من وحدة «الأمن الشعبي» المرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية، وهي تشكيل أمني سري ظل ينشط في فترات سابقة تحت مظلة المشروع الإسلاموي. 

ج. الحركات المُسلّحة المُنطلقة من دارفور


من المهم الإشارة إلى أن «حركة العدل والمساواة»، وهي إحدى الحركات المُسلّحة التي تنحدر من دارفور، وإن كانت بقيادة إسلاموية في السابق، إلا أنها لا تُصنَّف كتنظيم إرهابي عالمي. بل تُعد حركة محلية ذات توجه راديكالي تستلهم رؤاها من أيديولوجية مُتشددة، دون أن تكون منخرطة في مشروع إرهابي عابر للحدود.

ومع ذلك، فإن قيادتها – وعلى رأسها دكتور جبريل إبراهيم – اتخذت موقفًا سياسيًا مائلًا للتحالف مع القوات المسلحة السودانية بعد اندلاع الحرب، أو سعت على الأقل إلى التوسّط بدلاً من تصعيد الصراع عبر خطابٍ ذي طابع جهادي عالمي. 

ومع ذلك، عادت إلى الواجهة تكهّنات حول صلات مزعومة بين «العدل والمساواة» وتنظيم «بوكو حرام»، وذلك عقب الهجوم الذي استهدف القصر الرئاسي في تشاد بقيادة محمد إدريس ديبي، مما أثار مخاوف متجددة من تداخل الشبكات الراديكالية في منطقة الساحل الإفريقي.

24. حركات المقاومة الشعبية: تعبئة محلية تتجاوز الأيديولوجيا


في بدايات النزاع، رفضت الأطراف الفاعلة الإسلاموية القتال تحت القيادة الرسمية للقوات المسلحة السودانية، ورفضوا التجنيد ضمن المؤسسة العسكرية النظامية. وردًا على ذلك، لجأ الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى مخرجٍ تكتيكي، عارضًا على المواطنين الالتحاق بالتدريب والتعبئة فقط، وداعيًا إلى مقاومة شعبية مسلّحة تحت إشراف وحدات الجيش النظامي، مُعلّلًا ذلك بندرة الموارد اللازمة لتسليح المتطوعين.

لكن في الممارسة الفعلية، سرعان ما تدخّلت أطراف إسلاموية ورجال أعمال متعاطفون معهم لتوفير التمويل والدعم اللوجستي، مُوظّفين خطابًا دينيًا شعبويًا لحشد المتطوعين. وقد مكّنهم ذلك من السيطرة الفعلية على جانب كبير من قيادة ما بات يُعرف بـ«المقاومة الشعبية»، في حين انضم العديد من المواطنين العاديين إلى هذه الحركات لأسباب عِرقية أو ثأرية أكثر منها دينية أو أيديولوجية.

وبرزت لجان المقاومة الشعبية بوضوح في ولايات مثل الولاية الشمالية، ونهر النيل، وكردفان، وسنار. وقد خضعت هذه المجموعات لتدريبات عسكرية تحت إشراف الجيش، وتضم في صفوفها عناصر من حركة «غاضبون بلا حدود»—وهي حركة احتجاجية شبابية (تتراوح أعمار أعضائها بين 17 و24 عامًا) كانت قد نشطت خلال الثورة، وانضم عدد من كوادرها لاحقًا إلى وحدات الهندسة العسكرية أو وحدات المدرعات.

وتتميز هذه المقاومة الشعبية بطابع تعبوي محلي للغاية، وتجمع في تكوينها أطيافًا أيديولوجية متباينة تشمل إسلامويين، ويساريين، ولاسلطويين، وشبابًا ساخطين، وقوميين، مما يجعلها من أكثر التشكيلات تنوعًا على المستوى الفكري في سياق الصراع القائم.

25. غموض الجيش تجاه الميليشيات ذات التوجه الإسلاموي


حرصت قيادة القوات المسلحة السودانية باستمرار على تجنُّب الاعتراف العلني بوجود ميليشيات ذات ارتباطات إسلاموية تقاتل إلى جانبها، وذلك لسببين رئيسيين:

  1. الحفاظ على صورة الجيش كمؤسسة مهنية أمام الرأي العام المحلي والدولي.
  2. تفادي الرقابة الدولية والعقوبات المُحتملة.

إلا أن الواقع الميداني يُظهر إدماجًا فعليًا لتشكيلات مثل «لواء البراء بن مالك» و«كتيبة البنيان المرصوص» ضمن هيكلية القيادة العسكرية للقوات المسلحة. كما أُعيد تنشيط كتائب أخرى مثل «سجّيل»—المرتبطة سابقًا بجناح العمليات الخاصة في جهاز الاستخبارات—وكتيبة «الفرقان»، وذلك تحت غطاء ما يُعرف بـ«الدفاع المدني المحلي».

وقد صرّح بعض ضباط الجيش علنًا بأن أفراد هذه التشكيلات ما هم إلا «مواطنون يدافعون عن أرضهم تحت راية الجيش».

ورغم هذا الخطاب، فقد وجّه نائب القائد العام للقوات المسلحة في أكثر من مناسبة تحذيرات بشأن تزايد نفوذ المقاومة الشعبية، منتقدًا شعاراتها الدينية وانفلاتها من الانضباط العسكري، وداعيًا إلى إخضاعها لضوابط أكثر صرامة—قبل أن يتراجع عن تصريحاته هذه عقب انهيار «اتفاق المنامة».

ولا تزال هناك مخاوف حقيقية لدى بعض المُحللين من أن يؤدي التوسّع غير المنضبط لهذه المجموعات إلى خلق مأزق مستقبلي يُشبه ما حدث مع قوات الدعم السريع نفسها. وتعي قيادة الجيش تمامًا ما يترتب على ذلك من تداعيات دولية، خاصة في ظل تطلُّعات قادته الكبار نحو شراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة. ولهذا السبب، يواصل الجيش تصوير هجمات قوات الدعم السريع على المطارات والمستشفيات والبنية التحتية كـ«أعمال إرهابية» بموجب القانون الدولي، في مسعى لتمييز أفعاله عن أفعال حلفائه غير النظاميين.

26. الإسلامويون يُحكمون قبضتهم على القرار العسكري


سعت الشخصيات الإسلاموية على نحو متواصل إلى تصوير نفسها كجهات نافذة ومُؤثّرة داخل القوات المُسلّحة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك تصريح «علي كرتي» الذي أثار جدلًا واسعًا في مارس 2024، إذ قال في بيان نُشر بصحيفة الشرق الأوسط:

«لن يُسمح للبرهان بتوقيع أي اتفاق إلا على جثث أبنائنا»

ورغم صدور توضيح رسمي لاحقًا للتخفيف من وقع التصريح، إلا أن الرسالة السياسية كانت قد وصلت بوضوح، وأظهرت مدى تأثير الإسلامويين على قرارات الجيش واستعدادهم لاستخدام خطابٍ تحريضي لعرقلة أي تسوية سياسية محتملة.

27. الشعارات الجماهيرية وظهور المجموعات غامضة التوجّهات الأيديولوجية


في موازاة ذلك، بدأت تظهر تشكيلات جديدة تحت مظلة شعارات جماهيرية أو تسميات تروّج لها وسائل التواصل الاجتماعي مثل: «المغيرات» و«المطامير». ورغم أن هذه الكيانات تفتقر إلى هيكل تنظيمي واضح أو توثيق رسمي، إلا أنها تستحق المتابعة الدقيقة كواجهات تعبئة محتملة أو بوابات دعاية رقمية.

ويرى بعض المراقبين أن هذه التسميات يُعاد تدويرها واستغلالها من قِبل جهات متعددة في الوقت ذاته، كلٌ لأهدافه السياسية أو الإعلامية الخاصة، مما يجعل من الصعب التحقق من هوية الجهات الفاعلة أو نواياها الحقيقية.

28. صعود ميليشيات إقليمية غير مُنظّمة


أتاحت الحرب أيضًا ظهور مجموعات مسلحة ذات طابع إقليمي لا ترتبط بشكل واضح بأي حراك سياسي أو مشروع أيديولوجي مُنظّم. ومن بين هذه التشكيلات:

  1. الكتيبة الشرقية
  2. درع البطانة

تمثل هذه الكيانات تعبئة عسكرية بين القبائل، ولم تخضع بعد لدراسات مُعمّقة، كما أنها تفتقر إلى برامج سياسية مُعلنة أو ولاءات حزبية واضحة. ويعكس ظهورها مدى تفكُّك مشهد الحرب وتحوّله إلى ساحة مُسلّحة تُستخدم فيها الهويات القَبَلية والمناطقية كسلاح.

29. الدعم اللوجستي والاستخباراتي من شبكات أمنية إسلاموية سابقة


بالنظر إلى الخبرة العملياتية التي يمتلكها عناصر سابقون في جهاز الأمن الشعبي وجهاز الأمن والمخابرات الوطني، فقد لعب الإسلامويون دورًا تكتيكيًا بالغ الأهمية في دعم القوات المسلحة، لا سيما في مجالات الاستطلاع الميداني والاستخبارات الحربية.

ويشارك ضباط مخابرات سابقون بنشاط في مهام جمع المعلومات والتنسيق القتالي، وتشير مصادر غربية إلى أن نحو 6,000 عنصر من جهاز الأمن والمخابرات الوطني السابق قد انخرطوا في مجهود الحرب، وهم يتمتعون بخبرة عميقة في تكتيكات الحرب غير النظامية، مما يجعلهم أصولًا استراتيجية في بيئات القتال الحضري وحرب العصابات.

30. القاعدة وداعش والشبكات الإرهابية العابرة للحدود في السودان


على الرغم من قيام عمر البشير بطرد أسامة بن لادن إلى أفغانستان ومصادرة بعض ممتلكاته لصالح الدولة، فإن الروابط اللوجستية التي جمعت السودان بتنظيم القاعدة بقيت محلّ تدقيق ومراقبة مستمرة لسنوات طويلة. وقد واجه السودانيون المُنتمون إلى تنظيمي القاعدة وداعش تهميشًا داخل هذه الكيانات أحيانًا، بسبب الشكوك حول تعاون بعضهم مع السلطات السودانية التي كانت تُدير هذا الملف من خلال أجهزتها الأمنية.

أمّا اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، فقد أوجد بيئة مثالية وفرصة غير مسبوقة لإعادة تموضع التنظيمات المتطرّفة وإعادة تجميع صفوفها داخل الأراضي السودانية. فرغم عدم مشاركة الحركات الإسلاموية العابرة للحدود في الحرب الأهلية السودانية خلال تسعينيات القرن الماضي، فإن السودان ظل بمثابة محطة استراتيجية للعبور واللوجستيات، لتنظيمات مثل القاعدة والحوثيين؛ إذ وفّرت الأراضي السودانية قاعدة لوجيستية للسفر والتجنيد والعمليات إلى أن عاد بن لادن إلى أفغانستان.

وفي أكتوبر 2022، بثّ تنظيم القاعدة رسالة صادرة عن قائد يُدعى «أبو حذيفة السوداني» بعنوان: الآن تبدأ المعركة: رسائل إلى المجاهدين في السودان. حثّ فيها شباب السودان على التحلّي بالتفكير الاستراتيجي، وتقييم قدراتهم العسكرية والسياسية، واستغلال الجغرافيا المتنوّعة والواسعة في السودان لشنّ حرب عصابات. وقد قسّم خطابه خطة العمل إلى ثلاث مراحل: «الكر والفر»، ثم «التوازن»، فـ«التمكين النهائي».

وقبيل سقوط البشير في 2019، قدّرت أجهزة الاستخبارات السودانية عدد العناصر المتطرّفة في البلاد بنحو 700 عنصر، معظمهم مُتمركزون في الخرطوم. كما برزت شخصيات سودانية في صفوف قيادة تنظيم داعش، خصوصًا في الصومال، ومن بينهم «بلال السوداني» الذي تولّى ملف الإمداد واللوجستيات ومكتب «الكرّار» حتى مقتله في غارة أمريكية عام 2023.

كما شملت جهود داعش في السودان تجنيد طلاب من جامعة «مأمون حميدة»، كثيرٌ منهم من طلاب الطب وأبناء مسؤولين سابقين. وقد استقطب بعضهم محمد علي الجزولي، الذي اعتقلته قوات الدعم السريع في أوائل عام 2023. وكان عناصر داعش السودانيون ناشطين في ليبيا وإدلب، وبعضهم بدأ بالظهور مُجددًا في ظل الحكومة الجديدة في سوريا.

واستخدم تنظيم داعش السودان أيضًا كمحطة لوجستية. ففي عام 2016، اعتُقل في السودان «معز الفزّاني»، أحد أبرز عناصر داعش التونسيين. وفي 2019، ألقت السلطات السودانية القبض على ستة عناصر من بوكو حرام في دارفور. وفي 6 ديسمبر من العام نفسه، أحبطت المخابرات السودانية محاولة تسلل إرهابيين مرتبطين ببوكو حرام من تشاد، وتم تسليمهم للسلطات التشادية.

وفي عام 2021، نفّذت أجهزة الأمن السودانية عمليات مداهمة استهدفت خلايا داعش في أحياء «جبرة» و«الأزهري» بالخرطوم، أسفرت عن مقتل خمسة من ضباط الأمن واعتقال 11 أجنبيًا. وأُتبعت هذه العملية باعتقالات أخرى، من بينها مواطن صومالي.

وقد أورد تقرير للأمم المتحدة في يوليو 2023 أن عمليات تنظيم داعش وتمويله في السودان يشرف عليها شخص يُدعى «أبو بكر العراقي»، يدير شركات واجهة في كل من السودان وتركيا. وقدّرت الأمم المتحدة عدد عناصر داعش الناشطين في السودان بين 100 و200 عنصر من أصحاب الخبرات العسكرية، يتولّون مهامًا لوجستية ومالية. كما يُستخدم السودان كمعبر إلى ليبيا ومالي وغرب إفريقيا.

وفي يناير 2025، نشرت «صحيفة النبأ» التابعة لتنظيم داعش مقالًا بعنوان: السودان المنسي، دعت فيه عناصر التنظيم في دول الجوار إلى إعادة التمركز داخل السودان.

ويتنافس تنظيمي داعش والقاعدة في اسودان للسيطرة على طرق التعدين الحيوية والوصول للمرات البحرية. وتعكس استراتيجيتهما المُسمّاة «الحرب عبر الممرات البحرية» أهمية السودان كموقع استراتيجي قريب من خطوط الشحن العالمية، خاصة تلك الخاصة بناقلات النفط، مما يفسّر الاهتمام المتزايد للمتطرّفين بالعمليات في منطقة البحر الأحمر.

لقد أوجدت الحرب الراهنة في السودان حالة من السيولة الأمنية والسياسية، شكّلت غطاءً ملائمًا لتغلغل الجماعات المتطرّفة داخل البلاد.

وما يزيد الوضع تعقيدًا هو تدهور العلاقات بين السودان وكل من تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى والنيجر، ما قد يُحيي روابط قديمة بين الجماعات الإسلاموية السودانية والمعارضة المسلحة في تلك الدول، كما حدث في السابق مع أوغندا.

31. هروبٌ جماعي للسُجناء المُتطرّفين خلال معارك أبريل 2023


مع اشتداد القتال في العاصمة الخرطوم في أبريل 2023، شهدت عدة سجون سودانية عمليات هروب جماعية، شملت هروب عدد من المُعتقلين المُصنّفين ضمن المتطرفين شديدي الخطورة، وخاصة أولئك المنتمين لجماعات مُتطرّفة. ففي «سجن كوبر» – وهو منشأة شديدة الحراسة – كان من بين السجناء مقاتلون أجانب مرتبطون بتنظيمي «داعش» و«القاعدة»، احتُجزوا خلال الفترة من 2020 إلى 2021. وبتاريخ 22 أبريل، أفادت تقارير استخبارية ومصادر مفتوحة بأن عددًا كبيرًا من السجناء تمكنوا من الفرار وسط حالة الفوضى، ورجّحت هذه المصادر أن من بين الفارّين عناصر مرتبطة مباشرة بهذين التنظيمين.

32. إطلاق سراح أبو حذيفة السوداني ونشاطه الإعلامي عبر الإنترنت


عاد «أبو حذيفة السوداني» – وهو أحد القياديين البارزين في تنظيم القاعدة – إلى الظهور الإعلامي عبر الإنترنت بعد ما قيل إنه أُطلق سراحه من أحد السجون السودانية. وقد نشر مقطع فيديو يهنئ فيه بمناسبة عيد الفطر، وذلك من خلال منصته الرقمية الجديدة التي أُنشئت قبل أشهر من ظهوره.

وفي حين نفت القوات المسلحة السودانية أي دور في عملية إطلاق سراحه، أشارت مصادر أخرى إلى أنه انتقل إلى سوريا. وخلال ظهوره في الفيديو، دعا أبو حذيفة إلى شن أعمال عنف إرهابية داخل السودان، وحثّ المتطرّفين على توحيد الصفوف، واصفًا اللحظة الراهنة بأنها فرصة استراتيجية لإعادة ترسيخ الحضور الجهادي المُتشدّد داخل البلاد. كما أعلن عن إصدار كتابه الجديد بعنوان: اتِّكاءةٌ على حد السيف.

33. عودة قادة الدفاع الشعبي إلى واجهة الدعاية التعبوية


برزت مجددًا عبر وسائل الإعلام شخصيات إسلاموية بارزة وقدامى قادة «قوات الدفاع الشعبي»، من خلال محتوى تعبوي يتضمن شعارات، وأناشيد، ورسائل ذات طابع مُتطرّف تُروَّج تحت لافتة «رفع المعنويات».

وتشمل هذه الجهود:

  1. زيارات ميدانية مُعلنة تم توثيقها، مثل لقاء «الناجي عبد الله» مع «المصباح أبو زيد».
  2. ظهور شخصيات سبق اتهامها في قضايا إرهابية بارزة، بما في ذلك محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.

وتهدف هذه الحملات المرئية إلى:

  1. إعادة إحياء سرديات «الثأر الديني».
  2. إذكاء الشعور بالحنين لدى المؤيدين والمناصرين القدامى.
  3. إعادة تنشيط شبكات التجنيد الشعبية المرتبطة بالأيديولوجيات المُتطرّفة التي شكّلت أساس المشروع الإسلاموي في السودان.

ثانيًا: 


الإطار التحليلي: الإسلامويون وحسابات نهاية الحرب

34. استخدام عقلية الإقصاء مُجدّدًا: احتكار المشهد السياسي في حقبة ما بعد الحرب


في أعقاب الإطاحة بعمر البشير عام 2019، فرضت «قحت» حظرًا شاملًا على مشاركة أي كيان سياسي لم يكن جزءًا من الحِراك الاحتجاجي الذي سبق إعلان الحرية والتغيير في 6 يناير 2019. وقد شكّل هذا النهج الإقصائي إطارًا صريحًا لاستبعاد القوى الإسلاموية، لكنه طال كذلك شخصيات غير إسلاموية مثل مبارك الفاضل المهدي ومحمد الحسن الميرغني.

لاحقًا، قامت «قحت» بتحويل لجان المقاومة إلى هياكل حكم فعلية بحكم الأمر الواقع، من دون أي شرعية انتخابية، بينما حُرِم الفاعلون السياسيون الآخرون من أي دور حقيقي في صياغة مستقبل الدولة. وقد قُوبل هذا النهج بانتقادات واسعة، حتى من داخل بعض الدوائر الإسلاموية.

اليوم، تُعيد التيارات الإسلاموية توظيف النموذج ذاته، متموضعةً كقوةٍ تسعى إلى احتكار السيطرة على المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الحرب، في حال تحقيق نصر عسكري. وتطالب حاليًا بما يلي:

  1. تحويل لجان المقاومة إلى هياكل حكم قائمة على شرعية انتخابية
  2. حصر المشاركة السياسية على من قاتلوا ضد قوات الدعم السريع

ومن الأنماط اللافتة التي تُسجَّل اليوم، أنّه كلّما حققت القوات المسلحة السودانية تقدُّمًا ميدانيًا على الجبهة، يسارع قائد« لواء البراء بن مالك» إلى الظهور العلني بإصدار بيانات مُصوّرة وتصريحات رمزية، في مشهد يبدو أشبه بـ«مقايضة» تُمنح من خلالها الوحدات الإسلاموية لحظات ظهور إعلامي في «لحظات النصر»، بهدف ترميم صورتها وإعادة ترويجها لدى المجتمعات المُتضررة من انتهاكات الدعم السريع.

35. تصوير الجيش على أنه «جيش الإسلامويين» وتخريب مفاوضات السلام


يعمل التيار الإسلاموي حثيثًا على إفشال أي مبادرة سياسية أو عسكرية من شأنها أن تفضي إلى وقفٍ لإطلاق النار، من خلال تصعيد التوتّرات على جبهتين رئيسيتين:

  1. تقويض قيادة القوات المسلحة السودانية، عبر توجيه الاتهامات لها بالخيانة كلّما أبدت انفتاحًا على مفاوضات في جدة أو المنامة أو غيرهما. 
  2. نشر الشائعات داخل المؤسسة العسكرية، تزعم أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان يعتزم التخلّي عن الإسلامويين في تسوية سياسية مستقبلية.

والهدف من هذه التحركات هو اختطاف صورة الجيش وتقديمه كأداة أيديولوجية خالصة للحركة الإسلاموية، بحيث يُنظر إلى أي انحراف عن هذا المسار باعتباره خيانة وطنية.


36. احتكار تعريف الوطنية: منح صفة الشرعية الوطنية أو نزعها


ولتهيئة الساحة لمزيد من الإقصاء السياسي، شرعت التيارات الإسلاموية في احتكار الخطاب الوطني، مقدِّمة نفسها على أنها الحَكم الوحيد في تحديد من يستحق وصف «الوطني».

فعلى سبيل المثال، مُنِع أحد قادة الحزب الاتحادي في مدينة الدمازين من إلقاء كلمة خلال تجمُّع شعبي عفوي، بذريعة أنّ حزبه لم يُقدّم كتيبة مقاتلة في الحرب، وبالتالي «لا يحق له ركوب الموجة واقتطاف ثمار النصر».

وقد أمكن ترسيخ هذا الهيمنة الخطابية بفضل ما تمتلكه التيارات الإسلاموية من منصات إعلامية ممولة جيدًا، من صحف وقنوات ومنصات رقمية، مقابل ضعف شديد في خطاب القوى المناوئة والأصوات المُعارضة.

37. الخطاب العابر للحدود والتحريض العِرقي


يتّجه الإسلامويون بشكل متزايد إلى تحليل الصراع الداخلي في السودان من خلال إطار أيديولوجي مُتطرّف عابر للحدود، مُتعمّدين بناء سرديات ما بعد وطنية تربط الحرب السودانية بصراعات جيوسياسية أوسع نطاقًا.

ومن ضمن أدوات هذا التأطير:

  1. شيطنة الدول العربية المعتدلة لتبرير مواجهات مستقبلية ضدها
  2. تأجيج الخطاب العِرقي، ولا سيما تغذية الانقسام بين الهويات العربية والإفريقية
  3. محاولة تدويل الصراع باعتباره جزءًا من حرب دينية أيديولوجية شاملة

ويهدف هذا النهج إلى تبرير إجراءات لاحقة، وتقويض شرعية الفاعلين الدوليين، واستثمار المخاوف الإقليمية كأدوات ضغط استراتيجية.

الخاتمة

لقد أفسحت الحرب الأهلية السودانية المجال لعودة شبكات التطرّف التي كانت خاملة أو مهمَّشة سياسيًا منذ سقوط نظام عمر البشير. ولم تعُد هذه الجماعات المُتطرّفة إلى الواجهة بوصفها قوى رديفة في ساحة المعركة فحسب، بل بصفتها أطرافًا سياسية تسعى إلى إعادة تشكيل النظام السياسي في مرحلة ما بعد الحرب. وقد طمست الحرب الخطوط الفاصلة بين الوحدات العسكرية النظامية والميليشيات المُؤدلجة؛ إذ باتت تشكيلات مثل «لواء البراء بن مالك» و«كتيبة البنيان المرصوص» تعمل تحت مظلة الجيش السوداني، مع احتفاظها بأجندات إسلاموية مستقلة.

كما استغلت الأطراف الإسلاموية الفاعلة تحالفاتها الميدانية، ونفوذها الإعلامي، وشبكاتها التاريخية، لترُسّخ مكانتها كشريك لا غنى عنه في الجهد الحربي الذي تقوده القوات المسلحة. وبهذا، استعاد الإسلامويون قدرًا من الشرعية والحضور السياسي كان قد تآكل عقب ثورة 2019. أما الموقف الغامض للقوات المُسلحة — التي لم تُعلن تبنّيها الصريح لتلك الجماعات ولم تتبرأ منها في الوقت نفسه — فقد أتاح للإسلامويين توسيع نفوذهم دون تحمل تبعات رسمية أو مساءلة مباشرة.

وفي ظل هذا الفراغ الأمني، وجدت الجماعات المُتطرّفة العابرة للحدود، وعلى رأسها «داعش» و«القاعدة»، فرصة ثمينة لاستعادة حضورها داخل السودان، فاتخذته ممرًا لوجستيًا ومنصة لتجنيد الأفراد وتنفيذ العمليات. أما القيادات الإسلاموية المحلية، فقد أعادت تأطير الصراع الداخلي بمفاهيم طائفية وعشائرية، ما عزّز من الصراع الهويّاتي، ورسّخ خطاب الإقصاء والتصنيف الأيديولوجي.

وتشير مسارات الحرب إلى خطر متزايد يتمثل في تحوُّل هذه الجماعات المتطرفة من حلفاء مؤقتين عابرين في ساحة القتال إلى صنّاع قرار راسخين في أي تسوية سياسية مقبلة في مرحلة ما بعد الحرب. كما أن دمجهم في الهياكل العسكرية والمدنية قد لا يحدّد فقط ملامح نهاية الحرب، بل قد يعيد رسم حدود الدولة السودانية نفسها ومفهومها السيادي في المرحلة اللاحقة.

قم بتنزيل التقرير

عودة التطرُّف:

القوى الخفية التي تشعل حرب السودان

arrow-symbol قم بالتنزيل
النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

ابقوا على اطّلاع دائم بآخر الأبحاث والمنشورات

    هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA و تنطبق سياسة الخصوصية و شروط الخدمة من Google.